.
.
.
.

دروس هيكل الصعبة

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن مقالات هذا الأسبوع سوف تكون حول أستاذين: الأستاذ محمد حسنين هيكل، والأستاذ د. بطرس غالى. فمن المؤكد أن ساعة ظهور هذا المقال، والآخر يوم الثلاثاء، سوف تكون الكتابات عن كليهما قد استغرقت من كُتاب آخرين ساعات من النقر على الكمبيوتر، أو أن الأقلام استهلكت حبراً لا يقل عما انسكب من دموع. ولكن الغالب، وربما يجمع الجميع، سوف يكون حالة من الفقدان. فرغم أن وفاة كليهما لم تكن مفاجأة لأحد، إلا أن وقوعها بالفعل يخلق تلك الحالة من الفراغ المعذب الذى يجعلك تسأل ماذا تفعل بعد الآن؟ ربما كانت حالة د. بطرس غالى سوف تخص تلاميذه، أما الأستاذ هيكل فهو قصة أخرى لأحبائه، وأعدائه أيضا. فذات مرة قال لى «الأستاذ» إنه مُدح كما لم يُمدح شخص آخر، وهُوجم كما لم يُهاجم شخص آخر. وهو لم يجعل ذلك المدح يدخل تحت جلده، ولا الهجوم جعله يفقد صوابه. كان ذلك تعليقاً على انتقادات وجهتها إليه فى كتابات متعددة، ولم يكن مستعداً لا لمناقشتى فيما كتبت، ولكنه كان مستعداً للنقاش حول أمور أخرى فى العالم، وفى المنطقة، وبالطبع فى مصر.

من اقتربوا من «الأستاذ» كانت لديهم دائما معضلة كيف تكون العلاقة بين الإعجاب الشديد، وإبقاء حق الاختلاف. والحقيقة أن الأمر كان فيه ما هو أكثر من الإعجاب والخوف منه، كان فيه «الكاريزما» والشعور بأن مركز الكون يتغير بمجرد دخوله إلى الحجرة. جماعة منا قررت الاستسلام للخلاص من هذا التناقض بحالة من الدروشة «الهيكلية»، والتى جعلتهم مقلدين تماما لأستاذنا فى الكلمات، وحتى فى الحركة. فى داخل كل منهم كان الحلم أن يكون «هيكل» آخر. وجماعة أخرى رمت نفسها فى الاتجاه المضاد، وناصبت الأستاذ العداء الشديد، ولم يكن العداء للرجل قائماً دائماً على ما يقول، وإنما لعصر كامل عُرف بـ«الناصرى». العجيب فى الأمر أن هيكل لم يصف نفسه أبدا بـ«الناصرى»، ومن يقرأ ما كتب عن هذه المرحلة بدقة فلن يغفل عن أن ما صمت عنه أو تناوله برفق كان فى حقيقته انتقاداً، وما صرح به منتقداً كان فى جوهره لقاء مع آخرين كان لديهم نفس التحفظات على هذه الفترة من تاريخنا.

من ناحيتى واجهت ذات المعضلة، فقد كنت ومازلت مدركاً لما قدمه هيكل للفكر الاستراتيجى العربى، ولم يكن فضله فى إنشاء مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية قليلاً، ولا كان نقله لأفكار الاستراتيجيين العظام، وما تولد عنها فى عقول المفكرين والساسة العالميين فى الماضى والحاضر، إلا ما يفرض التقدير. وببساطة ورغم كل الاختلافات التى سجلتها معه، إلا أن طريقة التحليل ظلت دائما مشتركة مع فارق كبير فى الاستخدام. بقى أن لغته لم تكن منهجاً فقط، وإنما ربما كان ذلك سببا فى حسد الآخرين، فكانت حلاوة وطلاوة اللغة، ومع كلتيهما فإن الأمر يحتاج إلى تدريب حتى لا تقع فى الأسر. فى النهاية فإن العلاقة مع الرجل كانت تحتاج معادلة دقيقة يتم فيها التوفيق ما بين الجاذبية الهائلة نحو فلك الكاتب الكبير، والاستقلال الفكرى.

ما لم يعلمه أحد أن مفكرنا كان مركباً بطريقة معقدة، وداخل التركيب كان هناك توجه ليبرالى يقبل بالاختلاف، ربما ورد له من تقاليد مصر ما قبل ثورة يوليو. وفيما يخصنى فإن له فى عنقى ديناً كبيراً عندما هبت عاصفة كبيرة على ما رأيته ضرورياً لإعتاق مصر من أسر الصراع «العربى- الإسرائيلى» من خلال بحث جاد عن السلام، اتصل بى فى عنفوان العاصفة قائلا: هذه أول معركة سياسية حقيقية لك، ومن الطبيعى أننى أختلف معك، ولكن من حقك أن تعبر عما تراه. بعد ذلك فإنه لم يتورع عن أن يقول فى حديث صحفى لصحيفة «الأسبوع» إننى كاتب متميز، ومن أبرز الباحثين فى جيلى. كان ذلك رسالة سياسية بحق الاختلاف فى صحيفة تخصصت فى الهجوم على كل من خالفها فى الرأى. آنذاك لم يتخذ هذا الموقف الشجاع سوى اثنين: د. محمد السيد سعيد، ود. أحمد عبدالله رزة، رحمهما الله، وكلاهما من الأصدقاء.

ومن المؤكد أن قصصاً كثيرة سوف تُروى عن العلاقة بالأستاذ هيكل، فقد كان الحديث معه متعة كبيرة. ولكن المؤكد أيضا أن ما تركه من تراث فكرى سوف يكون ذخيرة كبيرة للباحثين عن مصر والمنطقة خلال النصف الثانى من القرن العشرين. ولعل مقالته المنشورة عام ١٩٦٨ فى دورية «الشؤون الخارجية» الأمريكية ذات النفوذ عن «سياسة مصر الخارجية» كانت أولى عمليات التنظير الحقيقية عن فهم سياسة مصر تجاه ما وراء حدودها. ومن يقرأ كتاباته باللغة الإنجليزية- وهى غزيرة- سوف يُذهل من أنها لغوياً فيها جمال مع انضباط فى المنهج والتحليل. أما باللغة العربية فقد كان ذلك قصة أخرى، وفى كل الأحوال فإن مصر كلها مدينة للرجل بقدر ما اجتهد وحاول. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.