.
.
.
.

شيطنة الإعلام.. مسألة فيها نظر!

ناصر الصرامي

نشر في: آخر تحديث:

الإعلام مهنة وصناعة لا يبرز فيها ويتفوق إلا المبدعون المدركون والمنفتحون والمستوعبون لمسيرة العالم، أما الذين لا يدركون الفرق بين الإعلام والصحافة والخطابة والإرشاد التقليدي، وحتى في أحيان أخرى لا يملكون حسن الخلق مع الإنسانية، ليسوا ولن يكونوا قادرين على أن يحركوا الساكن خارج محيطهم التقليدي أو محيطهم ‏ الضيق والمتجانس الذي يشبههم وحسب.

الإعلام صناعة عظيمة مختلفة ومنفتحة، معقدة ومربكة في الوقت نفسه، ولا يمكن لمن لا يمتلك أدواتها أن يؤثر في العالم الخارجي وأن يصل إلى أعماق الجماهير، أقصد الجماهير في حجمها الأكبر والمتنوع الثقافة والمذاهب والخلفيات وحتى الأديان.

درست محاولات التأصيل لما سمي بالإعلام الإسلامي، حيث قضيت أربع سنوات في قسم الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حينها، ودرست الإعلام وإدارة المعلومات في أمريكا، وأعكف الآن على دراسة الدكتوراه في بريطانيا واخترت الإعلام والإعلان الرقمي حتى الآن.

الحقيقة الثابتة في ممارسة الإعلام والدراسة وتتبع التجارب أنه لا يوجد إعلام ديني أو متدين ناجح، القنوات والصحف المسيحية في أمريكا مثلاً خارج حسابات التأثير العالمية، وفي بريطانيا لا تشعر بوجودها، الخطاب المؤدلج المتقعر الأحادي - مهما يكن - يمارس عزفاً منفرداً لجماعته وأنصاره، وتلك حدوده.

الإعلام أمر مختلف عن الخطابة والحماسة على المستوى الفردي، لا يمكن لخطيب مهما وصلت بلاغته، وجزالة تعابيره، وجمال صوته، وحتى حركات تمثيله وانطباعه، سواء كان زيفاً أو حقيقة، أن يكون كاتباً جيداً لنصف عمود صحفي، فضلاً عن أن يكون معلقاً سياسياً أو اجتماعياً.

وعلى مستوى المؤسسات، يمكن استعرض عدد من قنوات تلفزيونية وصحف، وحتى مواقع إلكترونية مؤدلجة أو حزبية، مرت علينا خلال السنوات العشر الماضية فقط، غابت أو أفلست أو ترهلت تماماً، وما بقي منها يعيش على تبرعات معروفة ليس إلا.

لذا يهاجم البعض الإعلام الناجح، القادر على الوصول للناس بتنوعهم بموضوعية وجدية وتفوق والكثير من الإبداع، هجوم يشمل أشخاصاً ومؤسسات، لأنهم عجزوا عن تحقيق مشروع إعلامي واحد ناجح.

كما أن الإعلام وحده العدو في المواجهة أو المنافس في طرح المعلومة وتوسيع المدارك وتقديم خطاب آخر مختلف ومؤثر، يمنع أسلوب التدجين لتوجيه العامة بلا منافس أو تمحيص

صناعة الإعلام مربكة ومعقدة.. صناعة عصية على أولئك الذين يحاولون شيطنة الإعلام ورموزه والناجحين في محيطه ومعاداتهم، والترصد لهم، فهو لم ولن يستجيب لحزبيتها أو منظورهم أو تصوراتهم الضيقة لمحيطهم والعالم.. وهم ببساطة عاجزون تماماً عن كتابة مقال صحفي جيد، أو رسم كاريكاتير... آه..صحيح نسيت أن الكاريكاتير مسألة فيها نظر أيضاً..!

* نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.