.
.
.
.

يمثل حزبه

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

لعلني أستطيع الادعاء أنني ممن رافقوا العلاقة السعودية اللبنانية بصفة شخصية منذ ما يزيد على نصف قرن. في مراحل كثيرة كانت الرياض تتوقع من بيروت على الأقل، أن تقف منها على الحياد في خلافاتها العربية، ولكن بيروت كانت أسيرة ما يسمى بالشارع المعادي.
لكن الدبلوماسية اللبنانية الموكلة تلك الأيام إلى رجال من خيرة القوم وخبراء السياسة، كانوا يعالجون المآزق بالدراية والأدب. ولم تخضع السياسة الخارجية للموجات الإعلامية، بل ظلت في منأى عنها.
ودائمًا كان الخيار بين أن يخسر لبنان واللبنانيون ما تعود به العلاقة السعودية من فوائد، وما تعود به العلاقة «الثورية» من صخب وضجيج وإذاعات. لذلك، كان لا بد من رجال كبار يديرون هذا الخلل الهائج، بما يحفظ مصلحة لبنان كدولة وشعب، مع أهم شريك اقتصادي له عبر العقود، ناهيك بالسند السياسي. ففيما كانت الأموال تتساقط على لبنان لإشعال الحرائق خلال الحرب، كانت السعودية تناشد السياسيين من أجل أن يوقفوا القتل ويحبوا بلدهم ويشفقوا على شبابهم المشتت بين المتاريس والهجرة.
الجنرال ميشال عون كان الفريق الوحيد الذي رفض «اتفاق الطائف». طارد النواب لكي يمنعهم من المشاركة، وقصف بيوتهم بمدفعه الشهير، وظل يعادي الاتفاق إلى ما قبل أسابيع عندما اقتضت أدبيات الترشيح للرئاسة، أن يوقع مع «القوات اللبنانية» اتفاقا مليئًا بالألفاظ المطبطبة والفضفاضة، منها صرف بضع كلمات على «اتفاق الطائف» بعد ثلث عقد، من إقراره.
وزير خارجية لبنان في بلد بلا رئيس هو مستشار عون الأول وصهره ووريثه في حزب «التيار الوطني الحر». منذ أن دخل الوزارة اتضح أن خللاً أصاب السياسة الخارجية. ليس فقط حيال السعودية والخليج، بل حيال مجموعة الدول التقليدية أيضًا. وكان جبران باسيل يدخل إلى جلسات مجلس الوزراء ليؤنب ويندد ويرخي غطرسته الدلعة على الرئيس تمام سلام وأدبه وعراقته إلى أن انفجر سلام به ذات يوم.
مؤسف للسعودية ولبنان أن بلدين في هذا القرب التاريخي، يدفعان ثمن قحة لا حدود لها. كنا نتمنى إذا لا بد من أزمة تاريخية في هذا الحجم والتأثير والخسارة، ألا تكون بسبب رجل يتعاطى مع السياسة الخارجية كأنها لعبة أخرى في بيته. لم يعد ممكنًا أن نطلب من السعودية «تفهم ظروف لبنان» بعد خروج باسيل، وحيدًا، عن الإجماع العربي والإسلامي. لكن أيضًا باسيل ليس لبنان، ولا هو 500 ألف لبناني في الخليج، يرتعدون كلما قرَّر أن يحكي.

* نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.