.
.
.
.

متى «تنضج» الديمقراطية؟!

عماد الدين حسين

نشر في: آخر تحديث:

هل هناك موعد محدد أو حتى تقريبى يمكن أن نتوقعه أو نخمنه لنحلم فيه بتحقيق الديمقراطية الكاملة كما تعيشها أقوام كثيرة فى آسيا وأوروبا وأمريكا؟!.

حينما قال الرئيس عبدالفتاح السيسى «إن الديمقراطية لا تنضج بين ليلة وضحاها» فى كلمته قبل أسابيع قليلة بمناسبة ذكرى ثورة ٢٥ يناير، وكرر نفس الفكرة أخيرا بطريقة أخرى، فإنه كان يقر عمليا أننا مازلنا بعيدين عن فكرة وجوهر الديمقراطية كما يعرفها الكثيرون.

ما قاله السيسى فى كلمته المتلفزة منطقى وطبيعى من وجهة نظره، وبالتالى فإن السؤال المنطقى هو: ومتى نصل إلى الديمقراطية، والسؤال الأكثر منطقية هو: متى نبدأ السير على أول الطريق الذى قد يقودنا إلى «الديمقراطية الناضجة»؟!.

لن تكون هناك ديمقراطية كاملة إلا عندما تتحقق شروط جوهرية أساسية، أهمها أن تكون هناك حريات وقبول بالآخر، وان تكون هناك قوى اجتماعية حقيقية، لديها مصالح واضحة تدافع عنها قوى أو أحزاب أو جمعيات ساسية، ولها أنصار فعليون يمارسون العمل السياسى ويتبنون أفكارا ورؤى متنوعة، تتصارع فى الانتخابات المختلفة عبر برامج سياسية، ومن يفز يصل إلى البرلمان ويشكل الحكومة لتطبيق برنامجه، فإذا فعل ذلك قام الشعب بإعادة انتخابه، وإذا فشل يأتى حزب آخر بصناديق الانتخابات، وهكذا دواليك.

الواقع العربى يقول إننا للأسف مازلنا بعيدين كثيرا عن الحد الأدنى اللازم لإيجاد مناخ يقود إلى تحقيق الديمقراطية بهذا الشكل التقليدى فى بلدان العالم الطبيعية.

المجتمعات العربية فى أسوأ أحوالها الآن، لدينا حروب أهلية معلنة حينا ومستترة حينا آخر، وحروب مذهبية وطائفية ودينية وعرقية وجهوية، لدينا مشكلة هوية، وتعصب وعنصرية، ومشاكل متنوعة اقتصادية وتعليمية وصحية. وهذا المناخ كان طبيعيا أن يقود إلى نشأة العديد من الأمراض الخطيرة والشاذة مثل داعش والقاعدة والحوثيين وسائر قوى وحركات وجمعيات التطرف والإرهاب التى تتمسح فى الإسلام وتتاجر به وتسىء إليه، والأخطر أنه فى المقابل لا توجد لدينا قوى سياسية فعلية قادرة على حشد الجماهير فى الانتخابات أو خلف برامج ومشروعات سياسية محددة.

القوى والأحزاب الموجودة هشة تماما، والمقاعد التى حصلت عليها فى الانتخابات النيابية أخيرا خادعة، لأن غالبية الفائزين على برامج وقوائم الأحزاب، ليسوا أعضاء فعليين فى هذه الأحزاب، بل «دخلوها بنظام الشقة المفروشة، لم يدفعوا فيها إيجارا، بل حصلوا على المعلوم»، وهى ظاهرة تنطبق على غالبية الأحزاب.

الواقع المر فى مصر معروف للجميع، وبالتالى لا ينبغى أن نقف عنده كثيرا، ثم نضع أيدينا على خدودنا ونلطم ونولول، ثم نقول إن الوقت لا يزال طويلا أمامنا، الهند مثلا حينما بدأت طريقها الديمقراطى عقب الاستقلال عن بريطانيا عام ١٩٤٧، كانت فيها معظم المشكلات التى نعانى منها اليوم، ولا يزال بعضها موجودا حتى الآن، من أول الفقر المدقع والجهل الشديد نهاية بالتهديد المتمثل فى تقسيم البلاد على أساس دينى أدى لاحقا إلى التقسيم وظهور باكستان وبنجلاديش وأزمة كشمير.

ورغم ذلك واصلت الهند طريقها، هى لم تصل إلى الديمقراطية الكاملة والمثالية لكنها تمكنت من تحقيق تجربة صهرت طوائفها وأقاليمها. والدرس الذى ينبغى أن يكون أمام أعيننا هو ضرورة البداية من الآن. على الدولة والحكومة وسائر قوى المجتمع المدنى أن تؤمن أولا بالديمقراطية، وأن تدعم الأحزاب المدنية المؤمنة بالقانون والدستور، لتصبح فاعلة وقوية، وتبدأ مشوار الألف ميل، وعلى الأحزاب أن تساعد نفسها، على الحكومة الإيمان بأن الأحزاب القوية سوف تساعدها ولن تضرها.

غياب أحزاب مدنية حقيقية، يعنى أن الديمقراطية لن تتحقق، وسيكون أفضل خدمة لجماعة الإخوان وكل قوى التطرف والجهل والتخلف، ووقتها علينا ألا نلوم إلا أنفسنا.

نقلا عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.