.
.
.
.

«الإرهاب».. عالم رابع؟!

عبدالله العوضي

نشر في: آخر تحديث:

فتحنا أعيننا على ثلاثة عوالم بشرية في هذا الكون الشاسع، العالم الأول يشمل أميركا وأوروبا ومن اقترب منهما علماً وتقنية وحضارة إنسانية، وعالم ثانٍ يتكون غالباً من بعض الدول الآسيوية التي نافست العالم الأول في مكونات تطوره مثل كوريا الجنوبية وهونج كونج العائدة إلى الصين أمها وغيرها من الدول المشابهة لها. وعالم ثالث يحتوي الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي كافة سواء في آسيا أو أفريقيا أو أي بقعة أخرى في الأرض تشتمُّ فيها رائحة للتخلف والأمية والفقر والفساد الطافح في أروقتها المدنية والعسكرية أو مجالات أخرى ليس هنا مجال الحديث عنها، وهي التي جعلتها تحجز مكانتها الثالثة على مستوى العالم، مع عدم نسيان استثناءات فريدة لا تخل بالقاعدة العامة لهذا التكوين الثلاثي.

ولم يقف الرقم عند العالم الثالث، حتى دخل «الإرهاب» العوالم الثلاثة جملة وتفصيلاً وإن زعم البعض بأن مصدره الرئيسي العالم الثالث وهو أمر يحتمل أكثر من وجهة نظر.

ولقد صحونا من جديد بعد أكثر من خمسة عقود مرت على العوالم الثلاثة بكل تغييراتها الدراماتيكية، حتى يصطدم الجميع ويصدم بأن هناك عالماً رابعاً جديداً ومرعباً في آنٍ ينشأ في ساعة غفلة فكرية وسياسية، عن نموه بين ثنايا العوالم الثلاثة.

وفي ساعة صحوة متأخرة ينتبه العالم إلى «داعش» باعتباره الأفظع حتى الآن وقد يُخرّج المستقل من هو أكثر فظاعة ونكاية في البشر، ومَن يستبعد ذلك يعني أنه مستغفل أو خارج حسابات التاريخ السياسي في واقع الأمم قاطبة.

ويتكالب على العوالم الثلاثة هذا العالم الإرهابي والإرعابي المُظلم بكل ما تحمل الظلامية من معانٍ شديدة السواد فيما يرتكب باسم «الإسلام»، الذي صارت صورته هي الخاسر الأكبر وليس غيرها من هذا العبث باسم الدين، والدين الحق براء من ممارسات الإرهاب والإرهابيين.

ونعود قليلاً إلى حديث الأرقام التي تحارب هذا العالم الرابع الجديد والمريع في ذات الوقت بكل مقاييس الدين والأخلاق والأعراف والتقاليد الحسنة في المجتمعات البشرية التي تريد أن ترى الإنسانية العامة بمنجاة من هذا الانحدار الصعب في حدته وتأثيره.

في عام 2015 أعلنت أميركا رأس العالم الأول والأكبر عن تحالف دولي يشمل حتى اليوم أكثر من 60 دولة تحارب «داعش» في سوريا والعراق، عندما وصل عدد أفراد هذا التنظيم حسب أوباما إلى 50 ألفاً بعد أن بدأ بخمسة آلاف عدداً ومدداً.

مر على هذه الحرب التي سميت عالمية أكثر من عام واستخدمت فيها كل أنواع العتاد الحربي، وقيل إن العدد الشهري للقتلى من هؤلاء بلغ قرابة الألف، إلا أن أعدادهم منذ هذه الحملة القوية، وهي مستحقة بلا مواربة، لم تقضِ على فعالهم الإجرامية بصورة يومية.

وعندما لم يجد ذلك التحالف في التخلص من جرائم هذا التنظيم الإرهابي بحق وحقيقة إلا أن العالم العربي والإسلامي، وهو المحسوب من العالم الثالث، انتبه وانتزع زمام المبادرة مؤخراً وبقيادة السعودية لأربع وثلاثين دولة عربية وإسلامية، لشن حرب موازية للحرب العالمية الأولى على الإرهاب بكل صوره الكارثية، فجاءت المناورات التي تخوضها قرابة 26 دولة من مختلف دول العالم الثالث من أجل التخلص أيضاً من عالم الإرهاب الرابع، وهي مناورات «رعد الشمال» التي لم تبدأ عملياتها الحربية بعد، وينتظر انضمام أميركا أرضياً إلى هذا التحالف الأهم لأنه يمثل حرب الإسلام من داخله على الإرهاب الذي يُمارس باسمه البعيد عن أي شيء اسمه إرهاب في كل الوجود وليس في العالمين الإسلامي والعربي فقط.

فميزانية حرب «داعش» التي تم الإعلان عنها في عام 2015 تبلغ قرابة 500 مليار دولار، لإدارة وشن حرب طويلة الأمد حتى يتم التخلص من جرثومة «داعش» وكل أعوانه الطافحين أو الكامنين في المجتمع العربي أو الإسلامي أو الغربي ذاته، لأن وقود هذا الإرهاب وغذاءه وعونه قادم من كل العوالم الثلاثة الكبرى.

فهذا العالم الرابع الذي لا يتكون إلا من كلمة «الإرهاب» هو السبب الرئيسي اليوم لفشل كل مشاريع التقدم والتطوير على مستوى العالم كله، هذا فضلاً عن تدميره لكل قيم الحوار والتعايش والسلم الداخلي والخارجي، ومنذ اختراع «القاعدة» و«طالبان» و«داعش» الآن، لا يمر يوم إلا والدول كافة تخطو جادة نحو تغيير منظومات الحياة الإنسانية عبر تحديث القوانين السابقة وإنشاء تشريعات جديدة تواكب عصر الحرب العالمية الثالثة على الإرهاب والإرعاب والمرعبين.

وهذا ما أكد عليه «توني بلير» مؤخراً عندما أشار إلى هذه النقطة بالذات بتأكيده أنه «بالإضافة إلى 21 دولة يموت فيها الناس بسبب الهجمات الإرهابية، هناك حوالي 50 إلى 55 دولة اضطرت لاتخاذ إجراءات جادة ضد الإرهاب في يناير الماضي فقط».. وهكذا وحبل الإرهاب على الجرار حتى يلف عنقه ونشهد جميعاً شنقه.

*نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.