.
.
.
.

10 أيام بصحبة الإدارة الأميركية

إكرام اليعقوب

نشر في: آخر تحديث:

التقيت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، مرتين. الأولى عندما كنت أدرس العلاقات الدولية والسياسية في جامعة كولورادو، وجاء ذلك ضمن حملته الترشيحية عام 2008 لجمع الأصوات من هذه المنطقة وتحديداً من العاصمة دنفر. والثانية صدفة، عندما دعيت من قبل حكومة أوباما أخيراً لأخذ مقعد أختي الصغرى التي اعتذرت عن المشاركة بالجولة الأميركية ضمن برنامج قمة الشباب العالمي لمكافحة التطرف العنيف في الأمم المتحدة، وهي المرة التي رأيت فيها الحلم الأميركي بشكل مختلف.

كثيرة هي مفارقات الساحة السياسية خلال السنوات الماضية، خصوصاً أن بداية عهد أوباما حمل في طياته آمالاً وتطلعات كبيرة لإخراج أميركا من أزمتها الاقتصادية الخانقة وإعادة ترتيب ولملمة البيت الداخلي بما يتناسب مع التغيرات الطارئة، والتي كان أهمها التعاطي مع موضوع الهجرة بشكل جدي أكثر.

وربما كان ملف الهجرة وإشكاليات الاندماج بالتحديد الأسرع تعلقاً بصاحبها والأكثر تفاعلا معه، والتاريخ يوثق كيف انتقل الشاب الكيني من مهد حضارة إفريقية، يحمل على ظهرة كيس القش إلى طليعة الصف الأول لدولة عظمى كأميركا، وهو ما يطرح تساؤلا حول مدى فاعلية البرامج المحلية لدعم خطط اندماج المهاجرين في البيئة الجديدة، ولماذا تنجح بعض التجارب في التأقلم والتعايش، بينما تخفق أخرى؟ وفي حال الفشل، لماذا تلجأ للعنف كتعبير سائد عن هذا الرفض؟

بدأنا رحلة البحث لمدة 10 أيام بصحبة الإدارة الأميركية، وانتقلنا من واشنطن محطة صنع القرار السياسي إلى ولاية ميناسوتا ومدينة الـ100 بحيرة العائمة بالتطرف ومن ثم اتجهنا إلى نيويورك مدينة الأضواء لمناقشة وتسليط الضوء على الأسباب والحلول المقترحة مع وفود وشخصيات بارزة في الأمم المتحدة.

مهمة البحث لم تكن سهلة، كمحاولة استجابتنا لصدى الأصوات المبهمة التي تزداد عمقاً وحدة كلما حاولنا التقدم باتجاهها، لكنها لم تلبث أن تهدأ وتأخذ صيغة مغايرة في نهاية المطاف وتتمكن من إيقاظ بعض الأسرار الكامنة على مجرى نهر المسيسيبي الذي شهد صراع الأنا الأوحد والآخر المتشابه.

أكثر تلك الأصوات معاناة كان لشاب صومالي تحدث بصعوبة عن صراع جيلين أو أكثر، أحدهما عانى مرارة الهجرة بعد أن نجح في الهروب من ويلات الحرب الأهلية التي ضربته حتى النخاع، وآخر لم يعش التجربة وتصورها من خلال ما تبقى له من صور عالقة في مخيلة آبائه وأجداده وحاول محاكاة تفاصيل موطنه الأم بكل شوق وبدون أدنى معرفة. وهو ما يستحضر المقولة الأميركية الشهيرة، "بإمكاننا إخراج سليم من المدينة، لكن لن نستطيع إخراج المدينة من قلب سليم".

تجربتان مختلفتان جداً في التوقيت والانتماء لكنهما تشتركان في صعوبة مقدرة بعض النماذج على التكيف مع الواقع والتأقلم مع المجتمعات الغربية، وإن أعطته الكثير، فلم تنفع محمد وأسامة وعبدالكريم محاولات المجتمع المدني لإدماجهم في أحياء أخرى بعيداً عن الحي الصومالي في "سانت بول" لأنهم لا يرون تشابهاً بين الواقع وصور المخيلة، رغم أن الأمن والاستقرار وحدهما كفيلان بتوحيد القلوب على منهج واحد.

لعبة القدر لم تكن هي الأخرى ذلك البلسم المحفز على التقدم خطوة للأمام، ما عزز بدورة النقيض وأوقد نيران تلك الشروخ الداخلية التي ما لبثت أن طغت على حياة المهاجرين الآخرين ولم ترحمهم.

صحيفة "ذا ستار تريبيون"، أكبر صحف ولاية ميناسوتا، هي الأخرى ناقشت بصدمة قصة هروب 7 شباب صوماليين لسوريا بعد أن انقادوا لفكر داعش المتطرف عبر الإنترنت، وأشركتنا في تحقيق موسع عن آخرين دعموا التنظيم مادياً بعد تعاطفهم مع داعش ومنظمة الشباب في الصومال. المسألة لم تقف هنا، بل إن بعضهم هدد بنقل الصراع من وطنه الأم إلى داخل العمق الأميركي ليضرب بذلك أوتار التعايش السلمي للجالية الصومالية في أميركا، وليفتك بحياة بقية المهاجرين السلميين الذين يطمحون بعيش آمن بعيداً عن قلق الصراع ومجرياته.

القصة كما عايشناها مع أهالي المتطرفين ليست خاصة بمهاجري الصومال أو سوريا أو العراق، هي قصة أجيال مهاجرة استقرت في حياة البرزخ، لا هي استطاعت العودة للوطن ولا الاستفادة من الفرص التي توفرها الحكومات الأخرى في بلد الهجرة من تعليم وتوظيف ورعاية. هي قصة أجيال تتشبث بالماضي البعيد جداً ولا ترى الضوء في آخر النفق. هي قصة صراع سيتأجج تحت أي ظرف لأن الحزن المشرب بالقلق قادر على الفتك بالشخص الضعيف والقضاء عليه.

منهج التطرف والعزلة الفكرية وإن كان عارضاً وقتياً، إلا أنه مضلل وخطر حتى لو قاده متعلمون ورجال دين، لأن الكراهية والانتقام والإقصاء سلاح الباطل المقيت، فالحق لا يقبل الخلط أو التشكيك لأن الحق واحد.

* إكرام اليعقوب، كاتبة سعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.