عن التعليم و«بناء الدماغ الكورى»

حسن أبو طالب
حسن أبو طالب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

فى أول خطابات الرئيس أمام البرلمان، ذكر خمس أولويات أوصى البرلمان بالاهتمام بها، وجاء التعليم على قمتها. وفى حواره مع جريدة «أساهى شيمبون» اليابانية، المنشور أمس الأول على خلفية زيارته لطوكيو، تمنى «السيسى» أن يتم التعاون مع اليابان فى مجال التعليم، وأن تستطيع مصر إرسال 100 ألف مصرى للدراسة والتعلم فى اليابان، وفى حوارات أخرى سابقة كانت إشارات السيسى لأهمية وضرورة تطوير النظام التعليمى المصرى دائماً موجودة، وبما يؤكد أن الرجل يدرك دور التعليم فى إحداث التغيير المطلوب للمجتمع والدولة والمواطن على السواء، وفى هذا أمر إيجابى وطيب، بيد أن الأمر يتطلب بعضاً من التفصيل، أو لنقل الإجابة عن عدة أسئلة جوهرية، لعل أهمها وأبسطها وأعقدها فى الآن نفسه يتعلق بما هو التعليم المطلوب لمصر الآن، هل التعليم الفنى مثلاً، أم التعليم النظرى، أم التعليم التطبيقى؟، والإجابة عن هكذا تساؤل لن يكون لها أى معنى إذا كنا لا نربط مخرجات التعليم الحديث بما نتصوره ونسعى إليه لنموذج التطور الاقتصادى/ الاجتماعى لمصر ككل، الذى نعمل على بنائه بعد عقد أو عقدين أو أكثر، لا يهم المدة، وإنما المهم هو أن يكون لدينا تصور مجتمعى يتوافق عليه الغالبية العظمى من المصريين، وبالتالى يكون أساساً لبناء نموذج تعليمى حديث، يؤدى فى النهاية إلى بناء وتشكيل شخصية المواطن المتوافقة مع متطلبات النموذج التنموى الكلى، الذى يتفق عليه المجتمع.

وبناءً على ما سبق، فإن أهمية استراتيجية التنمية 2030، التى أعلنت رسمياً مؤخراً ليس فى مجرد إعلانها، أو كونها تصوراً متكاملاً مكتوباً بعناية ولغة علمية راقية، يصلح لوضع السياسات والبرامج وقياس الأداء وتعديله وتطويره، ولكن فى كونها بمثابة دليل ومرشد لحركة المجتمع ومؤسسات الدولة ككل، ومن هنا ضرورة أن يكون هناك المزيد من التعريف بهذه الاستراتيجية لدى شرائح المجتمع المختلفة، وأن تنال تركيزاً أكبر من التغطيات الإعلامية الرصينة، وأن تُلخص وتوزع على الطلاب والتلاميذ فى مراحل التعليم المختلفة، وتكون هناك حوارات معمقة حولها فى المدارس والجامعات، وبما يشكل حالة وعى مجتمعى شاملة وأرضية لفهم ما الذى يجب عمله فى كل المجالات، وليس فقط التعليم.

وعودة إلى التعليم، يظل لدينا تساؤل ماذا نريد من تطويره وتحديثه الآن وبعد عقد أو عقدين آخرين؟ ومع افتراض أن لدينا رؤية لمستقبل مصر، فكيف لنا أن نستفيد من خبرات الأمم الأخرى، كاليابان وكوريا الجنوبية، وغيرهما فى مجال التعليم لتحسين الأداء وتطويره وبالتالى تسهيل مهمة الانتقال المجتمعى والمؤسسى من حالة البلادة السائدة إلى حالة ديناميكية متحركة نحو الهدف المنشود؟ وبداية فإن تطور النظم التعليمية فى أى بلد مرتبط أيضاً بتطور البيئة العامة فى المجتمع وظروفها السياسية، وغالباً ما تكون هناك علاقة بين العملية التعليمية ككل، وبين حالة نظام القيم الاجتماعية والسياسية السائدة فى المجتمع، ففى اليابان مثلاً، فإن العمل الجماعى قيمة أساسية يُنشأ عليها الفرد اليابانى منذ نعومة أظافره، وحين يتم دمجها فى طريقة التعليم تصبح أمراً عادياً وطبيعياً، والعكس صحيح حين يكون المجتمع مُنشأ على مبدأ الفردية والمنافسة، فإن نظام التعليم ومنظومته القيمية تعكس الأمر بطريقة طبيعية.

وإذا افترضنا أن لدينا عدة مئات أو عدة آلاف من الطلاب ذهبوا إلى الخارج لمدة عقد مثلاً، وتعلموا أفضل ما يمكن فى مجالات مختلفة، ثم عادوا ولم يجدوا البيئة المجتمعية والمؤسسية التى تسعى للاستفادة منهم ومما تعلموه، يصبح الأمر كله عبثياً، ولعل فى تجربة كوريا الجنوبية ما يفيدنا فى هذه النقطة تحديداً، فقد تم ربط التعليم فى مراحله المختلفة بقضية التصنيع التى اعتبرت أساساً لنهضة كوريا الجنوبية، وصُممت البعثات العلمية منذ نهاية السبعينات والثمانينات فى القرن الماضى، وما بعدهما للدراسة فى الجامعات الأمريكية، بحيث تُوجه كل مجموعة طلابية لدراسة مجال بعينه من كافة جوانبه فى أفضل جامعة، على أن يعود الطلاب المتخرجون للعمل مباشرة فى المصانع المرتبطة بهذا المجال، فدارسو صناعة النسيج يعودون للعمل فى هذه المصانع، ومهندسو الإلكترونيات يعودون للعمل فى هذه المصانع وهكذا، ولمدة زمنية لا تقل عن عشر سنوات، حتى يمكن توطين هذه الخبرات العلمية فى بنية الصناعة الكورية ذاتها، مع تزويد هذه الصناعات بخبرات إدارية واقتصادية وتسويقية عالية الكفاءة، وبحيث تكتمل لديها كافة الخبرات المطلوبة للمنافسة والتطوير الذاتى لاحقاً، أما الذين لم يتعلموا فى الخارج، فقد تكفلت بهم الحكومة ومن خلال مساهمات مقننة من المصانع والشركات الكبرى تم بناء آلاف المعاهد التطبيقية التى تؤهل الطلاب المتخرجين، ليكونوا مهندسين أو فنيين أو أطباء مهرة، وبذلك حدث التفاعل المنسق ما بين الحصول على أحدث العلوم من جامعات الخارج، وأفضل طرق التنشئة المهارية والمهنية فى الداخل، وفى النتيجة الكلية فقد استفاد الجميع، فالمصانع وجدت الكفاءات البشرية، والمنتجات أصبحت تنافسية ومطلوبة فى العالم كله، والمجتمع ككل حقق هدفه فى التقدم والرقى.

وهناك الكثير مما يُقال فى تطور التعليم فى كوريا الجنوبية وعلاقته بالبحث العلمى التطبيقى، الذى يُعد شرطاً أساسياً لاستمرار مسيرة التقدم الصناعى والتقنى فى ظل بيئة عالمية شديدة التنافسية وسريعة التطور. وأشير هنا إلى ما يعرف بمشروع «الدماغ الكورى 21»، و«الدماغ الكورى بلس»، وهما برنامجان تم تطبيقهما تحت رعاية الحكومة الكورية منذ العام 1999 بهدف تنشيط البحث العلمى الجماعى فى الجامعات الكورية ومعاهد البحث العلمى وزيادة قدراتها التنافسية عالمياً فى مجالات البحث والتطوير والاختراع، وذلك من خلال تمويل الزمالات الدراسية للخريجين الجامعيين وخريجى الدكتوراه وأساتذة الأبحاث المنضمين إلى مجموعات الأبحاث لدى أفضل الجامعات، وللتأهل إلى البرنامج والحصول على التمويل الحكومى، يتعيّن على الجامعات تنظيم اتحادات بحثية مكونة من هيئة أساتذة الجامعة، والتعاون فيما بينهم فى مشاريع محددة. وقد بدأت ميزانية المرحلة الأولى عام 1999 بموازنة تبلغ ملياراً و200 مليون دولار، أما موازنة البرنامج الكورى بلس، فتبلغ 2 بليون دولار، ويغطى الفترة من 2013 حتى العام 2019، وهى مخصصة بصورة أساسية للفرق البحثية وليس الجامعات، مع ربط الدعم المالى المقدم إلى الجامعات بجهودها لتطوير المناهج الدراسية وسياسات القبول وأنظمة تقييم أداء الكليات. فهل نأمل أن يكون لدينا قريباً مشروع خاص بالدماغ المصرى؟

نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.