.
.
.
.

«الظاهرة العكاشية» تظل حاضرة وإن غاب صاحبها

نادر بكار

نشر في: آخر تحديث:

لا أقصد تنابزا بالألقاب، لكنى على العكس أنصرف عن تجريح شخص لم يعد يملك القدرة على الرد ولم يعد حتى فى مهاجمته فائدة، إلى الحديث عن الظاهرة المتكاملة التى مثلها (توفيق عكاشة) فى حياة المصريين على مدى خمس سنوات.. أو على الأقل كانت السنوات الخمس الأخيرة هى الزمن الذى استغرقته دورة حياة ( الظاهرة العكاشية ) صعودا إلى الذروة ثم سقوطا إلى القعر.. الشخصية انتهت على الأرجح إلى غير رجعة بعد التصويت النيابى غير المسبوق على فصل صاحبها، لاسيما حينما يكون الطرف الرئيسى فى إسقاطها هو نفسه الذى لمعها وأبرزها.. وطبعا قضية استضافة السفير الإسرائيلى تبقى ثانوية فى إنهاء مصير الرجل على هذا النحو.. لكن هل سيختفى ما كان يمثله عكاشة من تصورات وقناعات؟ هل سيشغر المكان الذى احتله عكاشة ويتعطل الدور الذى لعبه؟ كل المعطيات تجيب بالنفى.. للأسف.

(٢)
(الظاهرة العكاشية) نفسها ليس بالسطحية التى اتسم بها صاحبها، بل هى من وجهة نظرى معقدة تحتاج إلى تفكيك وإن كان من الصعب تناول كل عناصرها فى مقال واحد.
التعالُم ــ وهو ادعاء العلم والمعرفة ــ هو سمة أصيلة لهذه الظاهرة.. ولأن صاحبها جاهل وإن كان مصرا على ادعاء نقيض ذلك فالحل الدائم لديه كان الكذب والاختلاق ونسج الحكايات الخيالية التى لم تحدث.. وياليته فى ذلك يكون مبدعا متفننا بل هو ركيك سطحى فج التعبيرات يعلم أن الفئة البسيطة التى تتابعه بشغف قد تشكلت بالفعل عقولها لتتقبل كل عبثه وتسطيحه للأمور.. فلم يبخل عليها من قبله تعليم ولم يقصر معها إعلام طيلة ستين عاما تنضح بالسطحية والعشوائية وقلب الحقائق وتغييب الوعى.


كم من المتنفذين فى هذه الدولة يحمل نفس طابع الشخصية العكاشية؟ كم من الإعلاميين يؤمن بنفس القناعات ويستخدم ذات الأساليب؟ كم منهم يزعم معرفة ويدعى ثقافة وهو الذى يغالط فى مبادئ المعارف ويجترئ على أبجديات العلوم إلى الحد الذى يستلقى منه الإنسان السوى على ظهره من فرط الضحك تعجبا ثم يموت بعدها من فرط الألم كمدا.

(٣)
ومن عناصر (الظاهرة العكاشية) التعليق على الأحداث وتفسيرها من زاوية (المؤامرة) وإن لم يكن ثمة مؤامرة فسيختلقها إذن وسيضيف إليها عشرات المؤامرات ويضخمها ويحذر منها.. ثم يربط بعد ذلك كل معارض أو مستقل أو ناقد ربطا مباشرا بهذه المؤامرات الكونية.. ثم يحرض الناس بعد ذلك على خصومه هؤلاء ــ الذين تصور البسطاء أنهم خصوم الوطن ــ تحريضا علنيا مباشرا يُفضى إلى حتمية الإيذاء البدنى أو المعنوى.
الخوض فى أعراض الناس، إلقاء التهم الشنعاء جُزافا، استخدام الكلمات السوقية والتلميحات البذيئة والإيحاءات الجنسية الفجة فى النيل من الخصوم؛ اللغة الركيكة التى يعسر على صاحبها تكوين جملتين متتاليتين سليمتين منطقا ولغة وأسلوبا.. وغير ذلك من العناصر الكثير تتراكم بشكل مزعج لتكون هذه الظاهرة.

(٤)
والبرلمان الذى طرد توفيق عكاشة يحوى بين جدرانه من يقتبس من الظاهرة العكاشية بعض صفاتها وربما أضاف إليها الجديد.. من لا يجد لنفسه دورا يضيف به فائدة من تشريع أو سياسة أو مراقبة لأداء حكومى فيختلق لنفسه دورا بالتشغيب والزعيق واختلاق المعارك الوهمية وإثارة القضايا الجدلية.. كيف سيظهر فى الإعلام إن لم يفعل ذلك؟ أى بضاعة يمتلكها ليجذب الأنظار إليه؟


ومنهم من كان ذا دور سابق فعّال فى المعارك الكلامية يفتقد الآن بريقه.. فيفتش جاهدا ويحاول الظهور بكل طريق فيخفق مجددا.. فيعود إلى الوصفة المجربة.. هاجم التدين.. انقض على الثوابت.. ضايق المتدينين.. ضيق على المنتقبات.. المنتقبة طبيبة ومعلمة ومهندسة؟ لا يُهم.. ستنتفض المنتقبات وذووهن وكل حر كريم للدفاع عن حقوقهن.. املأ أنت الدنيا صراخا عن الإرهابيين المتطرفين الظلاميين.. اخرج فى عشرات البرامج التلفزيونية وتحدث عن تعرضك للتهديد والوعيد وأنت الشخصية الوطنية المخلصة التى تقف حجر عثرة أمام أعداء التقدم والتحضر... لاحظ أنك تناقض نفسك لأنك الآن تضيق على صفوة النظام التعليمى من معيدات وطبيبات.. من يعبأ بالتناقض؟ المهم أن تظل حديث الصحف والقنوات ومحور الجدل دفاعا عن بطولة مزيفة!

(٥)
إذا كان (عُكاشة) قد اختفى أو تنتظره محاكمة؛ فلا يعنى ذلك أن شيئا قد تغير.. لأن الظاهرة ما تزال حاضرة تتحدى كل منطق وذوق وعقل.. لست متشائما لكنى أكره الانتصارات الزائفة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.