مسرح الابتسامات وكواليس الحرائق
الجميع هنا يعلم أن الديمقراطية الدينية في إيران زائفة، وأن مجلس خبراء القيادة الذي يضطلع دستورياً بمهمة عزل المرشد الأعلى، مركّب بطريقة لا يمكنه معها أن يعزله، أو حتى أن يعقد اجتماعاً يناقش فيه ذلك، وأن البرلمان الإسلامي لا يحل ولا يربط في استراتيجيات النظام، ناهيك عن أن الوصول إليه يتطلب المرور عبر أنابيب مصنوعة بطريقة لا يعبر منها إلا المخلصون تماماً لسياسات النظام، الخارجية منها بالذات. وبحسب تعبير الكاتب أمير طاهري فإن «السياسات الاستراتيجية لا تجري مناقشتها من قبل مجلس الوزراء، ولا من جانب مجلس الشورى، ناهيكم عن صياغتها وإقرارها».
لذلك فإنه يفترض ألا يكون ثمة فارق بالنسبة لغير المصوّتين بين فوز أو خسارة ما يسمون بالإصلاحيين أو المعتدلين في أي انتخابات تجرى في إيران، ومع هذا، فلا أعتقد أن أحداً من الخليجيين استبشر بفوز هؤلاء في الانتخابات الجزئية التي أجريت مؤخراً لاختيار أعضاء في «مجلس الشورى الإسلامي» و«مجلس خبراء القيادة»، وذلك لسبب بسيط، هو أن فوز هؤلاء سيؤدي إلى خلق مزيد من المتاعب في هذه المنطقة.
وتأتي هذه المتاعب بسبب الخداع الذي تزيد وتيرته كلما أُصعد على المسرح في طهران تيار يُدعَى معتدلاً أو إصلاحياً، سواء على مستوى الحكومة أو البرلمان أو بقية مؤسسات الحكم هناك، فبينما تمضي الاستراتيجية الخيمنية قدماً على الأرض، أو كما وصفها الكاتب صالح القلاب بـ«الخط التصاعدي المتطرف والمتشدد منذ فبراير 1979 وحتى الآن»، تظهر ابتسامات الإصلاحيين أمام كاميرات التلفزيون، وتنشغل وسائل الإعلام العالمية بتصريحاتهم الإيجابية.
وعلى العكس من ذلك يحدث مع صعود المتشددين، تكون الأفعال والأقوال متساوقة ويؤيد بعضها بعضاً، ولا يحتاج المرء بوجود متجهّم ومتطرف مثل نجاد مثلاً، إلى بذل جهد ليعرف ما يفعله الحرس الثوري خلف الكواليس، بينما الأمور لا تكون بهذا الوضوح بوجود شخص مثل روحاني، الذي هو نفسه كان عضواً في الحرس الثوري قبل أن يبدأ في التبسّم والتفوّه بالعبارات الرائعة.
وبطبيعة الحال، أصبح لدى أهل هذه المنطقة خبرة كافية حول طبيعة النظام في طهران، فهذا النظام لم يتغير يوماً، وكل التغيير الذي حصل خلال 36 عاماً من عمره هو تغيير في الوجوه والكلمات، بينما الاستراتيجية بقيت كما هي: محاولات الهيمنة، وتصدير القلاقل، وإشعال الحرائق، لكن المتاعب التي ستواجه الخليجيين، وبقية العرب المتضررين من ملالي إيران، تأتي الآن من الغرب الذي يبدو أنه يهوى أحياناً أداء دور المخدوع، فهذا الغرب، على الأقل في فترة رئاسة أوباما، سيبدأ، وفي الحقيقة هو بدأ قبل هذه الانتخابات أصلاً، في اتخاذ مواقفه حيال قضايا المنطقة، آخذاً في اعتباره أن ثمة وجوهاً متبسّمة في طهران، تصرّح بعبارات جميلة، وتطلق على نفسها اسم الإصلاحيين أو المعتدلين، من دون أن يأخذ في اعتباره أيضاً أن هؤلاء حتى لو كانوا إصلاحيين ومعتدلين فعلاً ليسوا من يديرون الأمور في إيران، ناهيكم عن الأمور خارج إيران، في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها من دول عربية تعبث فيها أيادي الحرس الثوري، والتي تؤدي عملها بغض النظر عن صعود إصلاحيين أو متشددين على خشبة المسرح.
*نقلا عن "الإتحاد"