إيران.. معركة مصير النظام
قد تكون المرة الاولى التي يتحدث فيها المرشد الايراني مباشرة عن موضوع خلافته وضرورة مراعاة الثوابت الثورية والايرانية والمصلحية في اختيار خليفته المقبل.
وقد تكون النتائج التي اسفرت عنها الانتخابات الاخيرة لمجلس خبراء القيادة وظهور تيار متمايز داخل صفوف اعضاء هذه المجلس بعد ان كانت الدورات السابقة تمر من دون ان تشهد هذا التحدي الشعبي شارك فيه بعض الرسميين المحسوبين على النظام والمؤسسة الدينية للسائد الذي يريده ويفرضه النظام، والذي أشر بكل وضوح على تحدي لارادة المرشد والمؤسسات الداعمة له، وبالتالي تراجعها في فرض وايصال من يريد ويرغب الى عضوية هذا المجلس الذي تناط به مهمة اختيار المرشد.
دخول المرشد على خط الدعوة الى "تفكير" المجلس الجديد "بشكل جدي" بالبحث عن خليفة له او المرشد المقبل، قد يصب ايضا في محاولة ولي الفقيه لقطع الطريق على فريق مختلف داخل تركيبة المجلس الذي انتجته الانتخابات الاخيرة ومنعه من التفكير في لعب دور في تحديد مسارات هذا الاختيار او الادعاء الحق في المشاركة في ذلك.
واذا ما كانت دعوة خامنئي تذهب الى امكانية اختيار خليفة له ولولي الفقيه في حياته، فان الهدف منها يرتكز الى فكرة ان يكون هو بنفسه مشاركا ولاعبا اساسيا في تحديد هذه الشخصية وبالتالي ضمان ان يبقى هذا الموقع بعيدا عن الاتجاهات المعارضة للقوى المحافظة الممسكة بالنظام.
وعلى فرض صحة كل التكهنات حول الوضع الصحي للمرشد الايراني واصابته بمرض عضال يقال انه في البروستات، فان هذه الفرضية وصحتها تدفع الى الاعتقاد بان المرض قد يكون قد دخل في مراحل متقدمة ما حتم على المرشد ان يقر بشكل غير مباشر بتراجع حالته، وان يعمل على استباق الامور ومحاولة تأمين انتقال سلسل للسلطة العليا في النظام حتى لا تنقلب الامور الى صراح مفتوح بين مراكز القوى الحالية والمستجدة خاصة داخل مجلس خبراء القيادة في تركيبته الجديدة.
العارفون بما يدور في كواليس وغرف النظام، يعتقدون ان المرشد الايراني سيدفع باتجاه حسم معركة الخلافة لصالح من يعتقد بقدرته على تأمين التوازن النسبي بين اقطاب النظام، وان يكون على علاقة متينة بمؤسس حرس الثورة توفر له الغطاء لتكريس قيادته بعد خامنئي، ولا يستبعد هؤلاء ان يذهب خيار خامنئي لاختيار السيد محمود هاشمي الشاهرودي الذي يعتبر ثقة المرشد والاكثر أهيلية بين اعضاء مجلس الخبراء على صعيد شرط المرجعية التي خبرها خامنئي عن قرب وكانت السبب في التقارب بينهما تاريخيا منذ ان كان خامنئي رئيسا للجمهورية والشاهرودي ناطقا رسميا باسم المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق.
وقد شكل الشاهرودي وخامنئي ثنائيا متجانسة ومتناغمة عندما شغل الاول منصب رئيس السلطة القضائية الذي يعين مباشرة من قبل المرشد ولا سلطة لاي من مؤسسات الدولة عليه سوى المرشد.
وبعد خسارة خامنئي لابرز الاوراق التي كان يراهن عليها بين اعضاء مجلس الخبراء بعد نتائج الانتخابات، خاصة ورقة المرشد الروحي للجناح المتشدد في المعسكر المحافظ محمد تقي مصباح يزدي، الذي كان من المفترض ان يكون وحسب تقديرات العارفين باللعبة الايرانية الرئيس المقبل لمجلس الخبراء، قد تدفع هذه الحقائق بالمرشد الى الانتقال للخيار "المستتر" بفرض الشاهرودي رئيسا لهذا المجلس كخطوة اولى على طريق تكريسه مرشدا للنظام، خاصة وان هذا الخيار كان مطروحا اواخر التسعينيات وبداية الالفين بالتزامن مع تعيينه رئيسا للسلطة القضائية، وهو الخيار الذي حرك موجهة من الاعتراضات داخل التيارين الاصلاحي والمحافظ حينها على خلفية جذوره العراقية او العربية، كون الشاهرودي كان ناطقا باسم تشكيل عربي عراقي في ايران، وان لغته الفارسية لم تكن صافية اضافة الى تداول اسمه الشاهرودي تارة مع اضافة صفة العربي اليه وتارة اخرى باضافة صفة العراقي.
ويعتقد العارفون ايضا ان خيار الشاهرودي لرئاسة مجلس الخبراء وتأهيله لاعادة طرح اسمه كخليفة للمرشد او المرشد المقبل للنظام الايراني يأتي على خلفيه مساعي قطع الطريق على فرض رئيس السلطة القضائية الحالي الشيخ صادق اردشير لاريجاني كمرشد مقبل، وهو خيار قد يكون غير مستبعد في حال نجح التيار المتشدد في فرض رؤيته وارادته على آلية الاختيار التي ستعتمد، خاصة وان لاريجاني يمثل الجناح المتشدد الاكثر رفضا لاي انفتاح او الاعتدال في التعامل مع القوى السياسية على الساحة الداخلية، وقد برز تشدده بعد اتضاح صورة النتائج في الانتخابات البرلمانية وخبراء القيادة عندما وصف الفائزين بـ "اللائحة الانكليزية" اي انهم عملاء للمخابرات البريطانية وان وصولهم يعتبر اختراقا "لاعداء الثورة" والمتربصين بها. وهذا المنحى ينسجم ايضا مع المخاوف التي عبر عنها خامنئي في لقائه الاخير مع اعضاء مجلس خبراء القيادة المنتهية ولايته، والذي حدد فيه مكامن الخطر التي تتربص بالنظام والثورة من اعداء الخارج او الذين يقعون في شباك وحبائل السياسات العدائية الجديدة للاعداء في الداخل.
خامنئي لم ينس ايضا ان يصوب سهامه باتجاه الشخصيات والقوى التي لعبت دورا سلبيا على حد تعبيره في اضعاف مؤسسات النظام في مرحلة ما قبل الانتخابات، ولم يكن لدى خامنئي اي احراج في عدم ذكر اسماء هذه الشخصيات، لان الهدف كان واضحا وجالسا الى يمينه في الصورة الرسمية، اي رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الشيخ علي اكبر هاشمي رفسنجاني، عندما وجه انتقادا لاذعا ومباشرا من دون ان يسميه للمواقف التي اطلقها ضد مجلس صيانة الدستور. واعتبر هذا المجلس ركنا اساسيا من اركان النظام والثورة والمؤسسات، معيدا التمسك بصلاحيات اللجنة "الاستصوابية" التي تتولى مهمة تحديد اهلية المرشحين للاي انتخابات، وحتى في الادوار التي لعبها في انتخابات عام 2009 وعام 2005 والتي اوصلت محمود احمدي نجاد الى السلطة، واعتبرها قرارات صائبة وصحيحة وتصب في مصلحة النظام والثورة، على الرغم من محاولة البعض استغلال هذه القرارات لاثارة الفتنة، في اشارة الى الحركة الاعتراضية "الخضراء" ودور كل من الرئيس السابق محمد خاتمي والشيخ رفسنجاني ومير حسين موسوي والشيخ مهدي كروبي في الحركة الاعتراضية فيها.
التصويب على رفسنجاني حاول خامنئي توظيفه في مسار او هدف محدد من اجل الحد من التأثيرات المحتلمة لرفسنجاني في توجهات وقرارات المجلس المقبل للخبراء وامكانية ان يعلب دورا محوريا ورئيسيا في تحديد الخليفة او المرشد المقبل. ما يعني ان المعركة بين الرجلين قد تذهب باتجاه المزيد من الاحتدام من بوابة التحكم بالمسارات المقبلة للنظام، وان المرحلة القادمة ستحمل مزيدا من التباين في المواقف بين الطرفين، على الرغم من محاولة خامنئي العمل على التقليل من الاثار السلبية لهذه المواجهة على مستقبل النظام من خلال التأكيد على ضرورة تحديد الاولويات في عمل الحكومة والدولة الاقتصادية والاجتماعية وضرورة التضامن الداخلي خاصة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لمنع سقوط ايران في الحفر التي وضعها "الاعداء" في الطريق.
خامنئي في خطابه تنطبق عليه صفة "الوصية"، اذ حدد فيه الخطوط العريضة للمرحلة المقبلة من تاريخ ايران خروجه من المسرح السياسي الايراني، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية برفضه اقامة اي علاقات عادية او طبيعية معها. ما يطرح سؤالا جوهريا، هل ستلتزم القيادة السياسية بهذه الوصية فيما يخص العلاقة مع واشنطن، ام انها ستعمد الى الالتفاف عليها كما فعلت هذه القيادة الحالية مع وصية المؤسس الامام الخميني فيما يتعلق بالعلاقة مع المملكة العربية السعودية التي اعتبرها رأس العداء لايران وحرم اقامة اي علاقة معها، وان تتغلب المصلحة القومية الايرانية على الوصية "الالهية" وتدفع باتجاه اقامة تحالف مع الشيطان الاكبر من اجل ترسيخ دورها الاقليمي في مواجهة شركاء طيعيين في المنطقة وعلى حسابهم؟.