.
.
.
.

سوريا وجنيف 3.. لماذا هي لحظة تاريخية؟

غاريث بايلي

نشر في: آخر تحديث:


مفاوضات جنيف 3 تمثل بارقة أمل لكل السوريين، فكل ساعة من المفاوضات الجديّة – وأشدد على كلمة "الجديّة"- أفضل بكثير من الحرب والقتال. جنيف 3، في حال سيره على المسار الصحيح، سيكون لحظة تاريخية في حياة السوريين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

لو ألقينا نظرة سريعة على حجم الدمار الذي حصل في سوريا خلال السنوات الماضية سندرك حجم الكارثة؛ مثل تهجير ملايين السوريين، وموت طال مئات الآلاف، ودمار المنازل والمنشآت، وخسائر الاقتصاد السوري بالمليارات. كثيرون يقولون إن سوريا سوف تحتاج لعشرات السنوات لإعادة البناء، ولكن أعتقد أن هذه نظرة تشاؤمية لمن لا يعرف السوريين عن قرب فهم قادرون على بناء بلدهم في وقت قصير ويجب ألا ننسى أن الشعب السوري هو شعب يأكل مما يزرع، ولديه من المهارات الكثيرة، وبالتالي فإنه سيعتمد على نفسه ليبني بلده. ما قد يأخذ وقتا طويلا ليس إعادة بناء المنازل والشوارع والمنشآت بل شفاء جراح السوريين التي نزفت، فضلا عن نشوء جيل لم يشاهد إلا الدمار والحرب، فهذا هو التحدي الأكبر.

اتفاق وقف الأعمال العدائية (الهدنة) في سوريا ساعد في تخفيض مستوى أعمال العنف، ومكّن السوريين للمرة الأولى منذ سنوات من الخروج إلى الشوارع ومتابعة حياتهم بشكل اعتيادي بلا براميل أو قذائف تسقط فوق رؤوسهم، وبعضهم خرج بمظاهرات سلمية تذكّرنا بالايام الأولى عندما خرج كثير من السوريين للشوارع عام 2011 متظاهرين بشكل سلمي. هذه الهدنة – رغم بعض الخروقات – أعادت الأمل إلى نفوس السوريين كما أعطث ثقة كبيرة بمحادثات جنيف 3 فما بالكم لو سارت هذه المحادثات بشكل صحيح وحققت بعض النجاح ؟ هذا سيؤدي إلى تأمين حصانة لهدنة دائمة، كما من شأنه أن ينقل السوريين إلى مرحلة جديدة وهي البحث في مستقبل بلدهم.

بالتأكيد السوريون يتطلعون لرؤية المزيد من إجراءات بناء الثقة مثل السماح بإيصال المساعدات إلى مناطق عديدة محاصرة في سوريا، وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين من قادة سياسيين وسجناء رأي فضلا عن النساء والأطفال والرهائن والمختطفين. هذه الإجراءات مهمة جدا لأنها تعطي ثقة أكبر بعملية السلام السورية. لكن هذه الأمور ليست الهدف النهائي بل الهدف هو بحث مرحلة انتقالية تفضي إلى حكومة انتقالية تمثل جميع السوريين من مختلف المكونات الاجتماعية والعرقية والدينية السورية ومناقشة الانتخابات القادمة ودستور البلاد. أدرك جيدا أن العملية ليست سهلة وأن هناك تحديات كبيرة أمامها ولكن الحلول قابلة للتحقيق عندما تتوفر الإرادة الجديّة لإنهاء مأساة الشعب السوري.

هناك سوريون لديهم مخاوف من أن محادثات جنيف 3 والدعوة إلى حكومة انتقالية من شأنها أن تساعد متطرفين بالوصول إلى الحكم، وهذا اعتقاد خاطئ لأن المتطرفين والارهابيين وكل من استخدم العنف ضد الشعب السوري لا مكان له في مستقبل سوريا. يجب ألا ننسى أن الشعب متنوع ومتسامح ولم يعرف التطرف يوما. إليكم هذه القصة التي سمعتها من أصدقاء سوريين: في الخمسينات من القرن الماضي احتج بعض المتطرفين على قصيدة كتبها الشاعر السوري الراحل نزار قباني عندما كان دبلوماسيا في سفارة بلاده في لندن عام 1954 وكانت قصيدته أول قصيدة تتم مناقشتها في البرلمان السوري حيث طالب بعض السوريين بطرده من الخارجية السورية لكن البرلمان رفض وأهداه السوريون شارعا باسمه بدمشق.

وهناك سوريون يعتقدون أيضا أن مفاوضات جنيف سوف تعيد إنتاج النظام السوري وتؤدي لبقاء من ارتكبوا العنف بحق السوريين، وهذا اعتقاد خاطئ أيضا لأن السوريين لن يقبلوا بأنصاف الحلول والعيش مع من قتل أبنائهم. بالنهاية على السوريين من الطرفين أن يقرروا مستقبل بلادهم في جنيف 3. الفشل يعني المزيد من القتل والدمار والحرب والجوع والتشرد، فهل هذا ما يرده السوري العادي ؟ بالتأكيد لا. لذلك أقول للسوريين القادمين إلى جنيف: لا تحذلوا الشعب سوري ..لا تخذلوا أطفال بلادكم.

نجاح جنيف 3 يعني توقف الموت عن طرق أبواب السوريين كما تتوقف العائلات السورية من كل الأطراف عن رؤية أبنائهم يذهبون للموت كل يوم في حرب لا نهاية لها. الهدنة أكدت أن المواطن السوري العادي يريد السلام وليس الحرب كما أنه يريد مستقبلا أفضل سياسيا واقتصاديا يتم احترام رأيه فيه وهو يقرر مصيره وشكل حكومته وإلا فإن الأزمة والحرب سوف يستمران. لذلك جنيف 3 لحظة تاريخية يتطلع إليها كل سوري بأمل كبير للتخلص مع معاناته، فلا تخذلوا شعبكم أيها السوريون في جنيف 3.

*ممثل بريطانيا لدى سوريا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.