.
.
.
.

«شارميلا»..امرأة الهند الحديدية

ذِكْرُ الرَّحْمَن

نشر في: آخر تحديث:

في الوقت الذي يشهد فيه العالم عناصر راديكالية ومتطرفة تنغمس في أنشطة إجرامية باستخدام الأسلحة وآلات الحرب وغيرها من وسائل العنف للترويع وتحقيق أهدافها الدنيئة، هناك امرأة واحدة في الهند تتبع بدقة مبدأ غاندي، الذي يقضي بعدم استخدام العنف، وذلك منذ 15 عاماً لتحقيق هدفها. ويطلق على هذه السيدة لقب «المرأة الحديدية»، واسمها «إيروم شارميلا»، وهي تنتمي إلى ولاية مانيبور التي تقع في شمال شرق الهند.

وقد دخلت «شارميلا» في إضراب عن الطعام منذ عام 2000، مطالبة بإلغاء قانون السلطات الخاصة للقوات المسلحة المثير للجدل.

وقد بدأت هذه السيدة ( 42 عاماً)، التي تتبع مبدأ اللاعنف، إضرابها عن الطعام بعد إطلاق النار على عشرة مدنيين من قبل قوات الأمن الهندية في محطة للحافلات في ولاية مانيبور عام 2000.

يذكر أن هذه الولاية كانت مليئة بحركات التمرد قبل أكثر من عشرين عاماً. وكانت القوات المسلحة الهندية قادرة على دحر هؤلاء المتمردين بعد أن أصدرت الهند قانون السلطات الخاصة للقوات المسلحة وفرضته على هذه الولاية. ويعطي هذا القانون، الذي أقره البرلمان الهندي، سلطات خاصة للقوات المسلحة في «المناطق التي تشهد اضطرابات»، ويعطيها أيضاً حصانة من أي ملاحقة جنائية. ولكن حتى بعد أن انتهت حركة التمرد وعادت الولاية إلى الحياة الطبيعية، لم يتم إلغاء هذا القانون الذي يعطي سلطات خاصة للقوات المسلحة للتصرف، مع الإفلات من العقاب، ودخول أي ممتلكات وإطلاق النار في الحال، دون الخوف من المساءلة القانونية أو المقاضاة حتى وإن كان في مرحلة لاحقة. وقد ادعى الجيش أن هذه السلطات الخاصة ما زالت ضرورية للتعامل مع المتمردين والإرهابيين.

وتحتدم المناقشات بشأن هذا القانون في الهند منذ فترة ليست بالقصيرة. وذلك لأن أكثر من 6000 شخص قد قتلوا على يد قوات الأمن حتى بعد السيطرة على حركة التمرد. وقد أوصت التحقيقات القضائية التي أجريت على مستوى الولاية برفع هذا القانون، ولكن حتى الآن لا توجد أي بادرة على أن الحكومة تعتزم إلغاءه. وتعد ولاية مانيبور واحدة من سبع ولايات تقع في شمال شرق الهند، وتتصل بالبر الرئيسي للهند عبر امتداد ضيق يعرف باسم «رقبة الدجاجة». ولأن هذه المنطقة غالباً ما تكون مهملة وتتخلف عن أجزاء أخرى من الهند من حيث البنية التحتية والتنمية، فإن الناس في هذه الولاية غالباً ما يهاجرون إلى أجزاء أخرى من الهند، بحثاً عن فرص أفضل في التعليم والعمل.

وخلال الـ15 عاماً الماضية، برزت «إيروم شارميلا» كرمز للمقاومة السلمية. في عالم يستخدم فيه المتمردون العنف لتحقيق أهدافهم، تبرز هذه المرأة الحديدية في نضالها بمفردها والتزامها بقضيتها. وقد تخلت عن أي فرصة أمامها للعيش حياة طبيعية سعياً لقضيتها، لتتحدى بإرادتها الحكومة الهندية. وتعرف هذه المرأة بأنها «أطول مضربة عن الطعام في العالم»، وقد تعهدت بعدم تناول الطعام أو الشراب أو تمشيط شعرها حتى تقوم الحكومة الهندية بإلغاء هذا القانون شديد القسوة. وقد قُبض عليها مراراً وتكراراً على مدار السنوات العديدة الماضية، وكان يتم تغذيتها قسراً عن طريق الوريد من قبل الأجهزة الحكومية، بيد أن التزامها بقضيتها لم يتزعزع، وهو أمر غير عادي. وقد تمت تبرئتها من قبل المحكمة من تهمة محاولة الانتحار عام 2014، حيث لم يجد القاضي أي دليل يدعم الاتهامات التي وجهتها النيابة العامة إليها عام 2000 بأنها حاولت الانتحار من خلال رفضها تناول الطعام. وقد أفرجت المحكمة عنها، لكنها سرعان ما أعيد القبض عليها. ومرة أخرى، قامت المحكمة بتبرئتها هذا الشهر من تهمة الانتحار. وفور إطلاق سراحها، عادت إلى الصوم لأجل غير مسمى والذي بدأ قبل 15 عاماً.

وتنحدر إيروم شارميلا من أسرة متواضعة من المزارعين، وكانت تريد أن تصبح طبيبة، لكنها لم تتمكن من إكمال دراستها بسبب ذكريات رؤية وحشية القوات المسلحة في مانيبور. ولم تر «شارميلا» نفسها إطلاقاً كبطلة، وقد ذكرت في مناسبات عديدة أنها لا تريد «أن يتغنى الناس بمجدها». وبدلاً من ذلك، كانت تريدهم يدعمون قضيتها. وعلى مر السنين نالت إعجاب الناس في جميع أنحاء البلاد، نظراً لشجاعتها وحزمها في الكفاح من أجل معتقداتها دون اللجوء إلى العنف. وقد أعيد اعتقالها مرة أخرى هذا الأسبوع، وهي تعيش حياة منعزلة في غرفة بمستشفى، حيث يحاول الأطباء تغذيتها قسراً من خلال محاليل عبر الوريد.

وقد أوضحت أنها لن تنهي إضرابها عن الطعام حتى توافق الحكومة على مطالبتها بإلغاء قانون السلطات الخاصة للقوات المسلحة، وقالت: إن هناك العديد من الأرامل في ولاية مانيبور بسبب هذا القانون.

*نقلا عن "الإتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.