.
.
.
.

باكستان..هل غيرت استراتيجيتها في أفغانستان؟

عبدالله المدني

نشر في: آخر تحديث:

في يناير المنصرم انطلقت في العاصمة الباكستانية المحادثات الرباعية حول وضع خريطة طريق للسلام في أفغانستان بمشاركة حكومات باكستان وأفغانستان والصين والولايات المتحدة، لكن مع غياب ممثلي حركة «طالبان» الذين يشكلون جوهر الأزمة القائمة، بسبب عدم اعتراف الأخيرة بحكومة كابول. وقد استهل رئيس الوفد الباكستاني سرتاج عزيز (وزير خارجية سابق ومستشار حالي لرئيس الحكومة نواز شريف) الاجتماعات بتأكيده على أربع نقاط إرشادية قد تساعد في عملية المصالحة بين كابول و«طالبان»، وهي: منح «الطالبانيين» حوافر تقنعهم بالابتعاد عن العنف، والجلوس إلى طاولة المفاوضات. واتخاذ إجراءات ووضع معايير مناسبة لخلق الثقة المتبادلة، وتعبيد الطريق أمام محادثات سلام مباشرة بين فرقاء النزاع الأفغاني. وضع خريطة طريق واقعية ومرنة للسلام، تستبعد الأهداف غير الواقعية، مع تحديد الجداول الزمنية لكل خطوة، وضرورة تجنب المشاركين لوسائل الإعلام، وتركيز جهودهم على إيجاد وسائل لترغيب «الطالبانيين» في محادثات السلام.
غير أن المسؤول الباكستاني، في الوقت نفسه، كان يحمل في جيبه قائمة بأسماء قادة «طالبانيين» ممن يرغبون في الجلوس إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة (معظمهم من الذين انشقوا على الحركة بعيد الإعلان عن وفاة زعيمها السابق الملا عمر)، وإنْ نفى سرتاج عزيز ذلك لوكالات الأنباء العالمية. ف«جاويد فيصل» نائب المتحدث باسم الرئيس التنفيذي لأفغانستان أكد أن الباكستانيين سيعلنون تلك الأسماء قريباً، مضيفاً: «أن الراغبين في السلام هم وحدهم من يجب أن يُدعوا للحوار، أما أولئك الذين يفضلون مواصلة الحرب فسيكونون هدفاً لعمليات مشتركة ضد الإرهاب يجب أن تتعاون الدول الأربع في شئنها».

الخطوة الباكستانية التالية تمثلت في قيام قائد الجيش الباكستاني الجنرال راحيل شريف بزيارة إلى كابول، قيل أنه تعهد فيها لمضيفيه أن تقطع إسلام آباد كل أشكال الدعم المالي عن المقاتلين «الطالبانيين» المتواجدين على أراضيها في بيشاور وكويتا، علما بأن كابول لطالما اشتكت لإسلام آباد من هذا الأمر، فيما كانت الأخيرة تنفي وجوده نفياً قاطعاً. والجدير بالذكر أن الرئيس الأفغاني أشرف غني طالب في مؤتمر إقليمي عقد في إسلام آباد في ديسمبر 2015 بضرورة وضع آليات للتعاون السياسي والعسكري والاستخباراتي والاقتصادي بين بلاده وباكستان وجاراتهما لتحديد الجماعات الإرهابية المتمردة على سلطة الدولة، والكشف عن شبكاتها التمويلية والإجرامية، وخنق ميليشياتها، والامتناع عن تقديم أي غطاء سياسي لأي جماعة تعمل خارج إطار الدولة، مشيراً إلى «طالبان» وما تلقاه من دعم خفي بالاسم.

ما حدث مطلع الشهر الجاري يعتبر شيئاً غير مسبوق خلال العقدين الماضيين من تاريخ باكستان التي دأبت على نفي أي تأثير أو نفوذ لها على حركة «طالبان». صحيح أن الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف صرّح في أكتوبر الماضي في مقابلة تلفزيونية أن بلاده (دربت وسلحت الميليشيات «الطالبانية» وأرسلتهم لخوض حرب مقدسة، فصاروا أبطالنا)، لكن مشرف لم تكن له وقت حديثه أي صفة رسمية. وهكذا فإن ما يُعتد به هو ما ورد مؤخراً على لسان «سرتاج عزيز» خلال مخاطبته لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس الأميركي. فماذا قال الرجل الذي ينتمي نفسه إلى العرق البشتوني المهيمن على أفغانستان؟

في تصريح هو الأول من نوعه، قال عزيز «إن الرئيس الأفغاني السابق حامد كرازاي كان يدمر مصالح باكستان، فعملنا ضده من خلال المحسوبين علينا، كي نحافظ على مصالحنا». وحينما سأله أعضاء الكونجرس عما إذا كان يقصد ميليشيات «طالبان» في عبارة «المحسوبين علينا» رد بالإيجاب، لكنه في شأن مدى تأثير باكستان عليهم قال إن الطالبانيين «في أحسن الأحوال لم يكونوا يستمعون لباكستان، سواء في قضية هدم تماثيل باميان أو اختطاف الأجانب.. كانوا فقط يستمعون لنا حينما يحلو لهم ذلك». أما فيما يتعلق بالوقت الراهن فقد أوضح «عزيز» بجلاء أن لبلاده بعض النفوذ على «طالبان» لأن قادتها يعيشون في باكستان مع عائلاتهم، ويحصلون على الخدمات الطبية والاجتماعية، وبالتالي فإن باكستان في وضع يتيح لها ممارسة الضغوط عليهم لجلبهم إلى طاولة المفاوضات. لكنه استدرك قائلاً أن بلاده لا تستطيع التفاوض معهم نيابة عن الحكومة الأفغانية لأنها لا تملك ما لدى الأخيرة من أشياء يطالبون بها.

ومن ضمن الأشياء الأخرى التي تطرق إليها المسؤول الباكستاني أمام الكونجرس الأميركي قوله إن ما يقال عن سماح باكستان للطالبانيين بحرية الحركة في أراضيها مبالغ فيه «موضحاً أنه» منذ يوليو 2015 قمنا بتقييد تحركاتهم وطرق وصولهم إلى المستشفيات والمنافع الأخرى، بل هددناهم بالطرد إنْ لم يأتوا إلى طاولة المفاوضات، مع ترك الحرية لهم لاختيار وجهاتهم، قائلين لهم لقد استضفناكم 35 عاماً، وهذا يكفي لأن العالم كله يلومنا اليوم لتواجدكم بيننا». إن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن اعتبار ما سبق قوله تغييراً في استراتيجية باكستان حيال "طالبان" والأزمة الأفغانية؟ أم أنه مجرد وسيلة لتبييض صفحتها أمام الأميركيين أملاً في تخفيف ضغوطهم عليها؟

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.