عربيًا.. طي صفحة الوقوف على السياج

إياد أبو شقرا
إياد أبو شقرا
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

خلال ساعات قليلة فصلت الحدثين، عيّنت جامعة الدول العربية أمينًا عامًا جديدًا وصوّت وزراء خارجيتها على اعتبار «حزب الله» اللبناني - أو الأصح الفرع اللبناني لـ«حزب الله» - منظمة إرهابية.

تعيين الأمين العام الجديد أحمد أبو الغيط في حد ذاته لا يحمل جديدًا، فالرجل ليس حديث العهد بالدبلوماسية ولا هو طارئًا على مسرح السياسة، بل يمثل المدرسة الدبلوماسية - السياسية التقليدية، سفيرًا ثم وزيرًا للخارجية.

الجديد حقًا أن على أبو الغيط أن يتعامل مع مشهد سياسي عربي مختلف تتلاشى فيه عادات اللباقة والاسترضاء والهروب من الحلول، وربما بتنا اليوم أمام عهد قد يوصف بعهد طي صفحة الوقوف على السياج، وتحاشي الإحراج بكلام منمق لا يسمن ولا يغني من جوع.

لقد انحسر كثيرًا منذ «الربيع العربي»، ذلك الحدث المفصلي الذي ما زال العرب مختلفين حيال تعريفه، ناهيك من تقييمه، هامش المناورة وحيّز الطمأنينة. ونحن الآن، بصراحة، في مرحلة انكشاف المواقف وحسم الخيارات، ولا بد من الاعتراف بأننا وصلنا إلى هذا الوضع ليس بمحض خيارنا بل بتضافر جملة من العوامل الداخلية والخارجية الضاغطة التي تستعصي على الترحيل المؤقت أو التجاهل الدائم.

داخليًا، هناك إشكالية الهوية الوطنية والدينية، التي ازدادت حدة مع «الربيع العربي» وسقوط أنظمة أمسكت بالسلطة لمدة أربعة عقود كبرت خلالها أجيال، وشحّت الموارد، وتزايدت التوقعات، وسقطت حواجز التواصل.

الكثير من الكيانات العربية، بحدودها حتى 2011، كان يعيش في هرب شبه دائم من تقديم الإجابات المقنعة على «شرعية» أنظمته وحدوده وتمثيله الشعبي وتجانسه الفئوي. ولئن كان البعض يرى أن غزو العراق عام 2003 كان الصاعق الذي فجّر صراع «الهيمنة» السنّي - الشيعي، فثمة من يعود إلى عام 1979 عندما قرر آية الله الخميني أن «يصدّر الثورة الإسلامية»، وبطريقته الخاصة «يهدي» مسلمي العالم إلى ما يزعم أنه الإسلام الصحيح.

سياسة «تصدير الثورة» بصيغتها المذهبية الفاقعة كان لا بد أن تستثير ردود فعل مذهبية مضادة تنطلق من أرضية منطقية تمامًا هي.. الدفاع عن النفس. وحقًا، جاء التصدي للهجمة الخمينية، الفارسية المضمون، والمتسربلة بـ«الثوروية» و«الإسلام» والرافعة شعارات تحرير فلسطين والعداء لأميركا وإسرائيل، تصديًا ثيولوجيًا وعرقيًا وسياسيًا.. وطبعًا عسكريًا.

وكانت الحرب العراقية - الإيرانية جولة مهمة ومُكلفة فيما يتبيّن اليوم أكثر من أي وقت مضى أنها حرب وجود بين عالم عربي فهم الإسلام بعمومياته من دون عُقد أو غايات مُضمرة.. ونظام ثيوقراطي إيراني قومي متشدد قامت ثقافته على مجموعة من العُقد منها الاستعلاء والرغبة في الانتقام والتشفي من التاريخ.. والجغرافيا، واختار في غزوه المُضاد السلاح الذي كانت إيران قد فتحها العرب تحت راياته أصلاً.. أي الإسلام!

المشروع الخميني كان منذ البداية مشروعًا رافضًا للتعايش وساعيًا للهيمنة. ولئن كان الخميني اعتبر نفسه أنه «تجرّع كأس السم» بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب العراقية - الإيرانية.. فإن المشروع لم يمت، لسببين أساسيين؛ الأول، الأخطاء العربية، وعلى رأسها خطيئة غزو العراق للكويت. والثاني، امتصاص إيران صدمة نكسة الحرب، وبدؤها العمل من جديد على اختراقات صامتة ودؤوبة أكثر ذكاءً من أسلوب المواجهة المباشرة. وبلغ من حد تعلم إيران من أخطائها الأولى امتناعها عن الانزلاق إلى المستنقع الأفغاني عندما كانت ثمة رغبة أميركية في ذلك أيام اضطهاد حركة طالبان الهزارة الشيعة وقتل دبلوماسيين إيرانيين في مزار شريف بشمال أفغانستان عام 1998.

منذ ذلك الحين عرفت إيران، بعد رحيل الخميني، وبفضل تولي دفة السلطة في طهران ساسة طرحوا أنفسهم أمام العالم كـ«إصلاحيين» و«معتدلين»، كيف تستفيد من تراكم الإحباط العربي، وتنامي المزايدات المذهبية «الجهادية» في الفضاء السنّي.. من إندونيسيا (جماعة باعشير المتهمة بتفجير بالي) شرقًا حتى الولايات المتحدة - مسرح كارثة هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 - غربًا..

في هذا المناخ تبلورت التوجهات السياسية لساسة غربيين يوصفون بـ«الليبراليين» و«التقدميين»، من نوعية باراك أوباما «الديمقراطي» وجيريمي كوربن «العمالي التقليدي» وفيديريكا موغيريني «الشيوعية السابقة»، يؤمنون بأن الحوار ممكن مع «الشيعية السياسية»، لكنه مستحيل مع «السنية السياسية». وهذه هي اليوم الضريبة الباهظة التي يدفعها العالم العربي، أولاً بحكم متاخمته أوروبا المسيحية، وثانيًا بحكم كونه أكبر حاضنة سكانية للإسلام، وثالثًا لكون أهل السنة والجماعة يشكلون نسبة لا تقل عن 75 في المائة من سكانه.
إن تقسيم السودان وولادة دولة جنوب السودان عام 2011، عام «الربيع العربي»، وكذلك التقسيم الفعلي للعراق في ضوء التكامل التدريجي للدولة الكردية في شماله قبل الاستفتاء المزمع والمحسوم النتائج، يؤكدان أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على حقائق جيو سياسية تلغي حدود عام 1920.

وإذا أضفنا إلى هشاشة ما كان يوصف بـ«الوحدة الوطنية» التي كشفها «الربيع العربي» في عدد من كيانات المنطقة، علاقة مريبة في قيادة المجتمع الدولي بين إدارة أميركية انكفائية ونظام روسي «قيصري جديد» وسلطة إيرانية عدوانية مستقوية بالمظلة الأميركية - الروسية.. إذا أضفنا إلى كل ذلك، ظهور تنظيم مشبوه مثل «داعش» غايته تحدي العالم واستفزاز الخصوم وتجميعهم، فإننا ندرك حقًا حجم التحديات التي على العرب اليوم مواجهتها.

لقد تغنينا كثيرًا بالأخوة ووحدة المصير إلا أن بعضنا على الأقل ما كان يعنيها. لكننا نعيش الآن حقائق على الأرض ترسمها الدماء والدموع.. ومسألة الدفاع عن الوجود ما عادت محل مساومة أو اجتهاد شخصي أو تفاهم بالتراضي. فالحالة الليبية غير طبيعية ولا توحي بالطمأنينة، لا سيما أنها باتت تهدد جيرانها. ووضع سوريا في ظل التوافق الظاهر بين موسكو وواشنطن وطهران متجه نحو تقسيم بصيغة مهذبة هي «الفيدرالية» على أنقاض بلد اقتلع نصف سكانه من بيوتهم وخسر نحو 600 ألف قتيل خلال خمس سنوات.

عذرًا، حضرة الأمين العام الجديد الأستاذ أبو الغيط، كنت أود أن أكون أكثر تفاؤلاً.

*نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط