.
.
.
.

سلام على أمى

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

عاهدت الله أن أكتب فى كل عام مقالاً عن أمى تكريماً لها ولمقام الأمومة العظيم.

فقد كانت أمى، رحمها الله، «نسيجاً وحدها» ويصعب تكرارها، فقد جمعت مع خصال البر: الزهد والعبادة والصيام والقيام حتى بعد أن جاوزت الثمانين مع كرم متدفق، وكانت وصولة للرحم، حكيمة هادئة رزينة، محبة ودودة.

ومن حبى لأمى أحب كل من يبر أمه ويصلها، وأوصى كل الكتاب والمفكرين أن يكتبوا عن أمهاتهم، فعطاء الأم أشبه بعطاء الربوبية لأنه دون منٍّ ولا أذى ولا مصلحة فيه ولا انتظار مقابل، وللمحسن والمسىء من أبنائها، وهى الوحيدة التى لا تكره أبناءها ولا تحقد عليهم إذا أساءوا إليها أو قصروا فى حقها.

ورحم الله الكاتب الكبير مصطفى أمين الذى أرسلت له إحدى الأمهات رسالة باكية تشكو إليه همها وأنها ترملت فى شبابها فسخرت حياتها من أجل ابنها وباعت كل ما تملك من أجله ليكون مثل أبيه.

ولكن ابنها تزوج ولا تعرف له عنواناً أو تليفوناً لتصله وتسأل عليه، فاستدعاها مصطفى أمين وطيب خاطرها قائلاً: «اعتبرينى ابنك، وقد خصصنا هذا اليوم عيداً لك ولكل الأمهات، وهذه هديتى لك فى أول عيد للأم».

ثم جاء الابن لمكتبه قائلاً: «لقد تأثرت بمقالك وأنا ذاهب لأمى الآن». ولو لم تكن لمصطفى أمين حسنة سوى هذه لكفته وأغنته، فكل بر ووفاء وصلة ومحبة وتواصل فى عيد الأم يناله نصيب منه «فالدال على الخير كفاعله»، كما قال المعصوم «ص».

وهذا يبين قوة القلم الشريف النظيف، ولعل مثل هذا القلم يوبخ ضمير الأقلام والألسنة الرخيصة التافهة التى تخصصت فى الردح الإعلامى والانحطاط والتبذل وتوزيع التخوين أو التكفير.

وإذا كان «أمين» دعا للاحتفال بالأم كل عام فإن الأديان والإسلام دعت إليه فى كل لحظة من حياة الإنسان.

فهذا نوح يدعو: «ربِّ اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَى».

وهذا إبراهيم، عليه السلام، يدعو: «رَبَّنَا اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ».

والملك النبى سليمان يتوسل: «رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَى».

والقرآن يحكى عن يحيى: «وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ».

ويُعرف المسيح نفسه بـ«وَبَرًّا بِوَالِدَتِى».

أما الرسول فيتذكر أمه فى طريقه من مكة إلى المدينة فيرق للذكرى ويخفق قلبه لها فيقول: «أدركتنى الرحمة بأمى فبكيت لها».

أما الإسلام العظيم فيهتف فى البشرية بأبلغ عبارة تكريم للأمهات: «الجنة تحت أقدام الأمهات»، ويجعل برها أعظم من أى جهاد، فقد سأل رسول الله شاباً جاء ليجاهد معه: «ألك والدان؟» قال: «نعم»، قال: «ففيهما فجاهد».

أما أعظم الأمهات فى التاريخ فهى مريم العذراء التى مدحها الله: «إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين».

وأعتقد أن التى تليها مباشرة هى هاجر، زوجة أبى الأنبياء إبراهيم، وهى التى كرمها الله بأن جعل كل تصرفاتها ضمن مناسك الحج.

أما الرسول فكان وفياً لمرضعته وحاضنته «أم أيمن»، ووفياً لفاطمة بنت أسد أم على بن أبى طالب حيث تربى فى بيتها، فلما ماتت وسدها فى قبرها بيديه، وبشرها بالجنة.

أما من نُسبوا إلى أمهاتهم فأشرفهم عيسى ابن مريم، ومنهم «ابن ماجة»، وكذلك «ابن تيمية» الذى نُسب إلى جدته، أما أبوالحسن الندوى، عالم الهند، فقد ذكر ثمانى من النسوة تعلم على أيديهن العلم والفقه والقرآن.

أما الإمام مالك فعاش يتيماً وكان يود فى شبابه أن يصبح مغنياً فصدّته أمه عن ذلك ووجهته للعلم والفقه فصار إمام أهل المدينة.

أما الشعراء العظام فقد رثوا أمهاتهم بأروع القصائد، ومنهم أبوفراس الحمدانى الذى ماتت أمه وهو فى سجن الروم فكتب:

أيا أم الأسير سقاك غيث / بكره منك ما لقى الأسير

وقد عايشت الحزن الذى يعتصر السجين والمعتقل إذا ماتت أمه، وكيف كنا نسرب الخبر إليه تدريجياً ونسوقه بتلطف حتى لا تتمزق نفسه حزناً مع مرارة السجن وقهر الرجال.

أما المتنبى فقد ماتت أمه أثناء ولادته فعاش يتيماً، فربته جدته، فلما ماتت كتب يقول:

وقد صرت أستسقى الغمام لقبرها / ومن قبلُ كنت أستسقى الوغى والقنا

أما العقاد فقد هزته وفاة أمه فكتب: «صورتها لا تغيب عن خاطرى، وسيظل لها أكبر الأثر فى حياتى»، وكان يعلق صورتها فى حجرة نومه.

سلام على أمى فى كل حين، وسلام على الأمهات المحسنات، فقد حملن وولدن وأرضعن وربين وسهرن وتعبن وأعطين دون حساب أو منّ أو أذى، أو جزاء أو شكور.


*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.