متعتهم الوحيدة
أثبت السوريون أن العلاقات الزوجية التي تؤدي إلى المزيد من الإنجاب، لا يشترط أن تكون رومانسية، ولا في غرفة وثيرة على أضواء الشموع، ولا يحتاج الأمر لتمهيدات وهدايا من الزوج كي تتقبله زوجته.
أما كيف حصل ذلك، فقد ورد في آخر الإحصاءات أن هناك حوالي 300 ألف طفل ولدوا في اللجوء، أي حيث يقطن الأزواج في خيام أو مبانٍ خاصة باللجوء، محاطة بالمستنقعات شتاءً وبالحشرات والكائنات الزاحفة، صيفاً. أو حتى لو كان وضع بعضهم طبيعياً يسكن في بيوت عادية، فإن نفسيته في الاغتراب لم تمنعه من الإنجاب.
هؤلاء اللاجئون «لخبطوا» كل حسابات علماء النفس وعلماء الاجتماع، وأفسدوا على «متفذلكي» التنمية البشرية نظرياتهم التي يجنون من ورائها الأموال عن طريق أزواج حائرين لا يعرفون كيف يتقارب بعضهم من بعض.
المفارقة أن بعض الدول التي يعيش فيها هؤلاء اللاجئون، أصبحت تقوم بحملات توعية وإرشاد لمنع هؤلاء الأزواج من التكاثر؛ لأن ذلك سوف يزيد الضغط والعبء على هذه الدول في توفير مستلزمات الحياة لهم. وقد تكون هذه الإرشادات صحيحة من الناحية العملية، ولكنها من الناحية الإنسانية والمعنوية فيها إجحاف وظلم، فما الذي تبقى لهؤلاء الأزواج من متع الحياة سوى العناق؟!
الأمر ذكرني بزيارة قمت بها مع صديق إلى أديب تقدمت به السن، يقطن في إحدى الدول العربية، ولازم المسكين الفراش، فجلسنا عنده، ثم دخلت علينا ابنته التي تعتني به، وشكته إلينا طالبةً منا أن نقنعه بالالتزام بتعليمات صارمة بخصوص الطعام، فهو شره ويأكل الكثير ولا يلتزم بالطعام الصحي، فالتفت إليها صديقي الذي بصحبتي، وكان أيضاً كبيراً في السن قائلاً لها: «دعيه فما الذي ظل له من متع الحياة سوى الطعام».
هذا الرد المخالف للطب، كان في جانبه المعنوي صحيحاً، وينطبق على موضوعنا، فما الذي تبقى لهؤلاء اللاجئين من متع الحياة بعد أن تركوا بيوتهم وخزانات ملابسهم والأسواق ومشاهدة برنامج The Voice سوى نكهة اللقاء الزوجي الذي تزوجوا لأجله؟!
المشكلة ليس في تكاثرهم، ولا الحل في منعهم من حقوقهم الإنسانية، خصوصاً أن الحليب بالكاد يتوافر لهم.. لكن المشكلة تكمن في قرار أخلاقي من المجتمع الدولي لإعادة هؤلاء إلى بلادهم، ثم إعمار منازلهم وأسواقهم ومدارسهم وجامعاتهم، وشبكات الاتصال التي دمرت، وعندها سوف ينشغلون تلقائياً عن الإنجاب، ويعدونكم ألا يزعجوكم بتكاثرهم، إن كان هذا يسبب أرقاً لكم.
*نقلاً عن "القبس" الكويتية