.
.
.
.

ربيع شيكاغو!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

مساء الجمعة الموافق ١١ مارس الجارى، لم أصدق ما أشاهده على شاشة شبكة سى.إن.إن التليفزيونية. كان المشهد فيه بعض صفات عرفناها فى القاهرة وعدة عواصم عربية أخرى حين يتجمع آلاف من المتظاهرين حاملين أعلاما ولافتات وصورا لشخصيات. الحالة فى العموم «مهرجانية»، فيها أحيانا بعضٌ من المرح مع حماس غالب لأن القضية كما تبدو «مصيرية»؛ ولكن سرعان ما تحول الموقف كله إلى حالة صدامية، تبادل فيها جميعاً اللكمات مع دفع وجذب هنا وهناك، وكانت النتيجة فى النهاية ثلاثة من الجرحى كان منهم ضابطان للشرطة.

بالتأكيد لم يكن ما جرى فى «شيكاغو» ثورة يمكن وصفها فيما بعد بالربيع حتى ولو كانت فى قلب الشتاء؛ وإنما كانت حركة «احتجاجية» ليس على حكومة المدينة أو الولاية أو حتى تلك الفيدرالية الأمريكية، وإنما كانت احتجاجاً على دونالد ترامب، المرشح الجمهورى للرئاسة. كان الأمر فى النهاية احتجاجاً من معارضة يسارية تحمل لافتات المرشح الديمقراطى «الإشتراكى» بيرنى سوندورز، ومعها لافتات لحزب شيوعى مع أخرى لجماعات من الفوضويين، وربما الأكثر عدداً جماعات من المحتجين على المرشح الذى نجح فى استعداء الكثيرين: المكسيكيون ومعهم كل من كان من أصل لاتينى؛ والأمريكيون من أصل أفريقى؛ وقطاعات من المرأة؛ والمسلمون بالطبع؛ وأصحاب الاحتياجات الخاصة؛ وغيرهم. كل هؤلاء تجمعوا ضمن حركة واسعة لإيقاف «ترامب» الذى جاء إلى «شيكاغو» فى إطار حملته الانتخابية للفوز بتسمية الحزب الجمهورى. ولسوء حظه أن «شيكاغو» من المدن الكبيرة متعددة الأعراق؛ كما أن لها تاريخاً طويلاً من التمرد السياسى، عرف احتجاجات مشهورة سواء فى سجلات الحزب الديمقراطى أو الجمهورى.

كانت حملة «ترامب» قد اختارت جامعة إلينوى لكى تقيم فى أحد ملاعبها الرياضية مهرجان التأييد للمرشح الذى دعا ٢٥ ألفا من أنصاره؛ ولكن قبل أن يكتمل عددهم جاءهم آلاف أخرى من المعارضين. ورغم أن المرشح أعلن إلغاء المناسبة كلها، فإن المحتجين عليه كانوا يريدون تسجيل الموقف المضاد لحالته العنصرية، ولم يكونوا على استعداد لكى تمر المناسبة دونما حفظ تاريخى بالصوت والصورة، فكان الاشتباك بين المؤيدين والمعارضين. وأصبح الموضوع هكذا عنوانا لحملة الانتخابات الأمريكية ٢٠١٦؛ فلم يترك المحتجون جمعا للمرشح فى جميع الولايات التى ذهب إليها إلا كانوا هناك؛ ومعهم كانت كاميرات التليفزيون حاضرة، ومعها استوديوهات تحليلية أكثر مناعة من تلك التى نشاهدها فى مباريات كرة القدم.

النقاش حاد، وكل الأطراف لابد من تواجدها، ورغم الاحتراف والمهنية فإن الأعصاب أحيانا تفلت، والكلمات تفقد كثيرا من انضباطها. وكالعادة فإن تأصيل المسألة يكون قانونيا، فالأصل فى الحملة الانتخابية هو حق المرشح فى عرض آرائه على الجمهور؛ وفى هذه الحالة من الحزب الجمهورى الذين سوف يسمون مرشحهم للرئاسة.. هذا الحق يتوافق تماما مع الدستور والتعديل «الأول» فيه الذى يقضى بحق التعبير عن الرأى وإذاعته بكافة الوسائل. ولكن هل يكون من حقوق التعبير ما يحط من شأن بشر استناداً إلى اللون أو العرق أو الدين، خاصة ما إذا جاءت فى عبارات وكلمات «استفزازية» بما يكفى لدفع آخرين إلى التظاهر والاحتجاج طالما أن ذلك يتم بأشكال سلمية. ولكن هل توجد مظاهرات «سلمية» أم أن الظاهرة الجماعية تجعل الأفراد أكثر عدوانية واستعدادا للتعبير عن احتجاجهم بالقوة خاصة لو كان الجمع «تلقائيا» لا يشرف عليه حزب ولا مؤسسة، وإنما أفراد اجتمعوا على إيقاف «ترامب». وفى زمن الإعلام المتقدم الذى نعرفه، فإن تسجيل الموقف يقتضى مشاهد تجد فيها الكاميرا من الدراما غذاء كافيا لمشاهدى ما بعد العشاء. الرد جاهز بالطبع، من ناحية أن حق الاحتجاج والتظاهر مؤكد فى الدستور الأمريكى، ومن ناحية أخرى أن جماعة المرشح هى التى «اعتدت» على المحتجين بتشجيع من المرشح ذاته الذى أعلن أنه سوف يدفع تكلفة الدفاع عن أنصاره المشتبكين.

اختلط الحابل بالنابل، ووجدت المحطات الإخبارية التليفزيونية زاداً لها على مدى يومين؛ ولم تعد المسألة «ترامب» والمحتجين فى شيكاغو، وإنما بات الأمر كله ظاهرة ممتدة فى ولايات أخرى. وبالنسبة لى بدا الأمر تعبيراً عن مجموعة من الإشكاليات الكبرى التى عرفنا بعضاً منها فى مصر التى عاشت خلال السنوات الأخيرة هذه الظاهرة. أولاها علاقة التظاهر بالديمقراطية التمثيلية التى تقوم على أساس التصويت للأغلبية والأقلية، واستهجان الاستقطاب والعنف اللفظى والبدنى. وثانيتها التوتر القائم بين حقى التعبير والاحتجاج من ناحية والنظام العام من ناحية أخرى. وعندما وقف المحتجون فى شيكاغو فى عرض الطريق مما أوقف العربات، اندفعت إلى ذهنى ذكريات تعيسة. لحسن الحظ لم يستمر ذلك كثيرا وإنما دقائق معدودات. وثالثتها ما هى حدود الحرية التى هى جزء أساسى من الديمقراطية، والتى فى جوهرها هى الأخرى أنها تقف فى مكانة وسط بين الاستبداد والفوضى؛ ولكن ضبط هذه المسافات مسألة معقدة ومركبة. وفى شيكاغو لم تكن المسافات منضبطة ربما لساعات؛ ولكنها فى دول أخرى تأخذ أزمنة!!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.