.
.
.
.

سوريا: الطرفان.. لا للفيدرالية!

عبدالله العوضي

نشر في: آخر تحديث:

لأوَّل مرة منذ اجتماعات «جنيف 1 و 2 و3» تلتقي الحكومة والمعارضة ليس وجهاً لوجه، بل فقط لتقولا للأكراد أصحاب النزعة الانفصالية: لا للفيدرالية التي تعد خطوة أولى لتحويل سوريا الكبرى إلى صغرى.

هذا الهاجس المشترك ليس شكاً، وإنما تم التعبير عنه علناً من خلال المؤتمر الموازي لانعقاد «جنيف 3» للأكراد من أجل الوصول إلى صيغة مقبولة لانتزاع دولة كردية مستقلة بأي وسيلة متاحة وخاصة باستغلال أوضاع عدم الاستقرار، والحرب الأهلية الدائرة هناك منذ أكثر من خمس سنوات ولا علائم للانتهاء منها على المدى المنظور.

سوريا بعد انسحاب روسيا التي ادعت أنها حققت الأهداف الكبيرة التي دخلت من أجلها، هذه الحرب الفتنة القاصمة لظهور كل المشاركين فيها بلا استثناء.

فإذا كان للتقسيم أن يقع على الرأس السوري المهشم، فإن الأجواء التي تعيشها هذه الدولة المحطمة سانحة حالياً لمثل هذا المشروع الحلم الذي انتظره الأكراد في العالم وليس في سوريا وحدها لعقود.

نقول على رغم الرفض المعلن من قبل بعض الدول الكبرى، وعلى رأسها أميركا لمثل هذا الطرح في هذا الوقت، إلا أن ما يجري على الأرض يلف تلك التصريحات الرافضة في كفن التاريخ، ويرميها من وراء البحار ليخرج من وراء المحيطات دولة كردية مفروضة على العالم بحكم مجريات القانون الدولي التي تجر رقاب البعض إلى حتفها، وهي راضية وإن كانت رافضة ومستميتة في الدفاع عن وحدة الأراضي السورية والوحدة الوطنية المنشودة في وقت واحد.

فالعرب دأبهم الخشية من حصول هذا التقسيم بحكم الواقع المشتت لمصلحة أكثر من دولة وجهة وحركة، والعالم يعلن عن نفي هذا السيناريو وحبه للحفاظ على سوريا واحدة وليست ثلاثاً أو أكثر.

فالمستفيد الأول من هذا الوضع التقسيمي هو النظام الحاكم الذي وجد له مبرراً آخر لاستمراره من بعد «داعش»، فالفيدرالية المطروحة غدت شماعة أخرى لهذا النظام الذي له الدور الرئيسي فيما آلت إليه سوريا المظلومة من الأقربين قبل أن يدخل «داعش» وإيران «وحزب الله»، ومن بعدهم روسيا التي لم تصمد طويلاً حتى انسحبت لمبررات واهية وأسباب غير مقنعة للمبتدئين في السياسة، فضلاً عن المحللين المختصين في الشؤون الدولية.

لقد تكالب على الشعب السوري النظام ومعارضات الداخل والخارج، وكل الفصائل المتطرفة من «داعش» وأعوانه ومن يمضي وفق نهجه المدمر للوطن وإن كان النظام يعتاش على ذلك.

وبين هذا الركام يتحدث البعض عن ولادة سوريا جديدة، وهذه الـ«سوريا» يقاتل النظام بمندوبيه في «جنيف 3» حتى لا تتم الولادة، وإن كانت قيصرية تذهب الأم سوريا فداء للمولود المرتقب، فالولادات الطبيعية قد لا تأخذ وقتاً، أما في الولادات السياسية، فإنها مخاضات شرسة من يكون له السبق والاعتراف الدولي فاز بها بلا منازع أو معارض، وإن كانت الحكومة القائمة ولو على ساق واحدة.

لذا نرى وفد النظام الحالي في «جنيف 3» يجهد هناك من أجل المماطلة لأكبر فترة ممكنة ويقترح تأجيل المفاوضات لأسبوعين آخرين أو أكثر بزعم مناقشة القضايا العالقة بتؤدة وتأنٍ وعلى نار هادئة أو على «الرت»م البطيء إلى أقصى درجة.

وسط هذا البحر المتلاطم في سوريا ماذا لدى العرب لتقديمه، من أجل إنقاذ البقية الباقية من سوريا الموحدة، فالتحالف العربي الإسلامي لم ينطلق إلى نقطة البدَء حتى الآن، والدول الكبرى في العالم لا تريد أن تريق دماء جنودها على مذابح سوريا؛ لأنها عانت في الحروب السابقة الأمرّين، خاصة أن بعضها يمر بفترة استحقاقات رئاسية أو برلمانية أو تشريعية.

وعلى رأس كل هذه الاستحقاقات الانتخابية تقف الولايات المتحدة مشلولة سياسياً عن اتخاذ القرار الأكبر في فترة أوباما الذي جعل من كوبا وجهته في زيارته لها بعد أكثر من 88 عاماً على القطيعة أي بما يقارب قرناً من عمر التاريخ المعاصر لنشأة الدول وعلاقاتها الطبيعية على قرب الجوار الجغرافي والبشري.

حتى وعد أوباما قبل ثمانية أعوام كأحد برامجه الانتخابية آنذاك بإغلاق سجن جوانتنامو وبدأ التراجع عنه، عندما وجد مبرراً آخر لاستمرار هذا السجن «الرهيب» في الوجود إلى أطول فترة ممكنة لاستضافة عناصر «داعش» عندما يساقون إليه كما فعل بأشياعهم من قبل.

فسلم أولويات الدول الكبرى ذات النفوذ في إدارة العالم قد تدحرج، فبالنسبة لأوروبا وقف المهاجرين عن غزوها أولى من التفكير في سوريا أو غيرها من البقع الساخنة، وبالنسبة لأميركا التوجه نحو آسيا مقدم على الالتفات إلى الشرق الأوسط وفتنه المتجددة ودعم نووي إيران هو الأهم أما سوريا فَهَمٌّ خاص على قلوب العرب لا غير.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.