.
.
.
.

وجه العالم المشوّه

إكرام اليعقوب

نشر في: آخر تحديث:

استوقفتني وصية أحد انتحاريي تفجير مطار بروكسل المختصرة، عندما كتب «لا أعرف ماذا أفعل». معه حق، فهو فار ومجرم ومطلوب في كل مكان، والخلاص الوحيد من هذا المأزق الفكري هو الموت. لكن لنوجه السؤال نفسه إلى الآخرين، وبالأخص إلى من أسهموا بفتح الباب لرواج وتبني هذا الفكر المتطرف عبر ممر سوريا بالتحديد، هل يدركون فعلاً ما هم فاعلون؟

لا يمكننا تحميل سياسات روسيا وحدها مسؤولية تفشي داء الإرهاب الذي استفحل في أوروبا حديثًا، فهي نتاج تشابك سياسات دولية صادمة استنزفت الأرواح واعتادت على رؤية الأشلاء ممددة أو غارقة، فتلاشت معها كل الفروقات، وأصبحنا جميعنا بين ليلة وضحاها سواسية مثل أسنان المشط، مهددين في كل مكان، بلا أدنى رحمة أو كرامة.

كلنا ضحايا للإرهاب، وشربنا من الكأس نفسها مرارًا، الصغير والكبير، لأن المسألة ببساطة لم تعد تحت السيطرة، والنقاش فيها يفوق قدراتنا على شكوى كمد اليأس وشدة الضيم. لكن على الرغم من ذلك فإن الإرهاب لم يتفشَ بهذا الشكل الغريب إلا بعد مأساة سوريا وحرب الوكالة التي قادتها روسيا لبعثرة هذا الكيان الصارخ الذي تمزق من شدة الألم، وشوه معه وجه العالم الحديث عبر عبوات ناسفة.

فوضى اللاوعي، التي تجرف معها عالم اليوم، باتت شبيهة بدوامة العنف الموجهة لتصفية حسابات الدول الكبرى خارج حدود أوطانها، وبالأخص أزمة المنافسة الأزلية بين القوى الأميركية - الروسية. فالتدخل الروسي في سوريا لم يكن جله موجهًا لدعم نظام بشار الأسد بشكل أساسي، رغم أهدافهم المهمة في الشرق الأوسط، أو لحل أكبر أزمة إنسانية في الوقت الراهن، لكن هدفه الآجل هو التسبب بخلل في داخل النظام الأمني الأوروبي، الذي يشكل عائقًا كبيرًا على تطور روسيا وإمبراطورية بوتين «الدرامية»، وليوفر هذا الاضطراب المدروس فرصة نوعية لبوتين لبدء نقطة تحول وصعود لقوى روسيا الجديدة، وهو الملف الأهم استراتيجيًا لدى الرئيس الروسي، الذي يسعى بقوة لرواج هذا الانطباع عن سياسته داخل الأوساط الشعبية كسبًا لتأييد الجماهير ومن ثم إعادة انتخابه عام 2018 رئيسا متمكنا وقادرا على عودة تأثير الإمبراطورية الروسية إبان حقبة الاتحاد السوفياتي.

حملة الانتخابات الروسية، الفريدة من نوعها، بدأت فعليًا منذ الدخول المفاجئ للمعترك السوري في 30 سبتمبر (أيلول) 2015، ومن ثم رواج أزمة المهاجرين إلى أوروبا عبر تركيا وقبرص، التي بعثرت معها فكر المغتربين الأوائل وغيرت سلمية البعض، ونجحت نسبيًا في استمالة أضعفهم إلى صفها طوعًا، وليكون التقاعس الدولي وحالة اللاحسم ضد «داعش» سببًا لصيقًا لاستهداف المدنيين.

ستة أشهر فعلية من البروباغندا والصواريخ والقذائف وأساطيل الطائرات الحربية التي تحركت في نزهة «تجريبية وتدريبية» لقدرات الجيش الروسي، على حسب قول بوتين، هي الأدوات نفسها المستخدمة لتجريد البشر من الإنسانية، وهي وحدها القادرة على ترتيل بداية ترنيمة حزينة ومؤثرة لإدارة الدعاية الإعلامية لحملته الانتخابية. فكيف لبوتين أن يفوّت فرصة مغرية مثل هذه يستطيع من خلالها صرف ميزانية دولة للدعاية المجانية دون قيود أو منافسة، وتسخير الوقت الكافي لظهوره على شاشات التلفاز باعتباره نجما تلفزيونيا في حواراته وقائدا محنكا قادرا على إعادة أمجاد روسيا من خلال جيوشه؟ كيف لنا ألا نستوعب أن مئات القتلى والمهاجرين ما هم إلا أدوات لتحريك المشاعر وتنميق النص المكتوب للدراما الأكثر مشاهدة عالميا. ولعلنا نستذكر المقولة الشهيرة لفيلسوف «القوة الناعمة» وبروفسور العلوم السياسية في «هارفارد»، جوزيف ناي، عندما سُئل: من بات أكثر قوة على كسب المعارك؟ فأجاب: «من تربح قصته في الإعلام».

الدراما التلفزيونية الملحمية التي صنعت بوتين ما هي إلا رغبة أزلية عند الروس لإجبار الغرب على الاعتراف بهم باعتبارهم قوة لها تأثير مباشر على القرار الدولي والنفوذ الجيوسياسي بصرف النظر عن نتائج تدخلاتهم في سوريا، ومحاولة مستميتة لإرضاخ الغرب على غض الطْرف عن انتهاكاتهم المستمرة في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، والضغط على ورقة رفع العقوبات التي عزلت روسيا عن العالم لبعض الوقت.

أما على صعيد المحلي فشكلت هذه الحبكة الدرامية بارقة أمل شعبية للاحتفاء، فرغم انكماش الاقتصاد الروسي بـ4 في المائة منذ 2015، وتراجع دخل الفرد من 850 دولارًا شهريًا إلى 450 دولارًا منذ بدء التصعيد العسكري، بالإضافة إلى تراجع الاستثمار الأجنبي بـ92 في المائة، فإن اعتزاز الروس ببلدهم وقدرته على التأثير الدولي ارتفعت من 36 في المائة عام 1996 إلى 68 في المائة نهاية 2015، وارتفع معه فخر الجماهير بقدرات الجيش من 40 في المائة إلى 85 في المائة خلال الفترة نفسها، وفقا لتحليل خاص بمجلة «ذي إيكونوميست» في عددها الحالي المنشور بتاريخ 19 مارس. وكلها دلائل تشير إلى أن سوريا ستبقى لعبة بوتين المفضلة، يحركها كيفما يشاء، لكن إلى متى؟ ومن سيحتمل كل تلك التبعات؟

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.