.
.
.
.

العرب.. والتهديد العلماني- الليبرالي

خليل علي حيدر

نشر في: آخر تحديث:

إن قُلتَ إن العلمانية والليبرالية والديمقراطية تتطابق مع مصالح العرب والمسلمين، وتصلح لإدارة شؤونهم وترقى بمجتمعاتهم، لتشابه الظروف الإنسانية والتنموية، ولطابع العصر والزمان، ولأننا «مثل غيرنا من البشر»، فأنت قد تغضب الإسلاميين العرب المعادين لما يعتبرونه «الغزو الفكري» و«المبادئ المستوردة»، كما ستُغضب في الوقت نفسه بعض «العلمانيين» الذين لا يرون في هذه المبادئ والسياسات حلاً لمشاكل العرب، وبخاصة بعد كوارث «الربيع العربي».

وإن قلت إن الديمقراطية والليبرالية والعلمانية لا تصلح إطلاقاً لنا ولا نصلح لها، لاختلاف البيئة العربية والإسلامية عن مستلزمات هذه المبادئ الغربية، فأنت كذلك قد تغضب البعض من هؤلاء وأولئك.. ذلك أن معظمنا في العالم العربي يعرف ما لا يريد، ولكنه لا يعرف ما يريد، وهو لا يُدرك الثمن السياسي والحضاري للرفض، ولا المستلزمات الملازمة للقبول، إننا نحلم بنهضة.. على المزاج.

نحن نريد نظريات وتطبيقات على مقاسنا، مراعية لكل خصوصياتنا وتراثنا وعاداتنا وعقائدنا.. وربما لمناطقنا السكنية، ويفضل كل منا «مدينة فاضلة» يحلم بها، وأطراً حالمة يسيّسها بعضهم «مشاريع نهضوية»، لا يعرف أحد ما هي قوانينها ومستلزماتها، وكيف سيتعامل العالم معها أو تتعامل هي معه.

واليوم وقد تفاقم وجود الإسلام السياسي والجماعات السلفية «الجهادية»، ونشط حزب «التحرير» و«الإخوان» في الغرب نفسه، فقد تضاعف اهتمام الباحثين الغربيين بكل ما يتعلق بمجتمعات الشرق الأوسط وأديانه ومشاكله.. وأحد هؤلاء الذين بحثوا مؤخراً في هذا المجال، يقول الكاتب «حمود حمود» في صحيفة «الحياة»، الألماني «فيلفريد روريش»، الذي نشر عام 2015 كراساً بعنوان «تسييس الإسلام: الإسلام السياسي والجهادية»، وبحث طبيعة علاقة الأصولية بالأفكار التنويرية والعلمانية، التي رآها حكراً على العالم الغربي والأوروبي.

ويرى الأستاذ حمود أن الباحث الألماني قد وقع بحكمه هذا ضحية لـ«تنميطات استشراقوية» وأنه لا يأخذ في الاعتبار تأثير الصراعات الحالية بين الجماعات «الجهادية» السنية والشيعية مثلاً وما تترك كل منها في الأخرى من تأثيرات، ويضيف أن صورة العدو تتغير في تعاليم «الجهاديين» السنة والشيعة على حد سواء، ويعتقد الأستاذ حمود جازماً بأنه «إذا كان الإسلام الجهادي السني يخضع لاختبار تحولي تاريخي، ربما يجهز عليه، فإن الإسلام الجهادي الشيعي، والسياسي الشيعي أيضاً، سواء في إيران أم خارجها، يشهد كذلك تحولات دراماتيكية من الصعب أيضاً التنبؤ بمصائرها.. وذلك بالنظر للتحول الذي تشهده إيران في تحالفاتها الجديدة مع الشيطان الأكبر»أميركا، هذا التعبير الذي انتهت إيران نفسها لتوها من صياغته».

غير أن الأستاذ حمود لا يترك مسافة كافية لاحتمال تراجع هذا الاحتقان وعودة الإسلاميين إلى قواعدهم الفكرية الأساسية، حيث تتراكم في خزائنهم كتب ونصوص وثوابت، في فكر بعض أحزابهم كـ«الإخوان المسلمين» والسلفيين والخمينيين و«التحرير» وأتباع فكر قطب والمودودي وجماعات كثيرة أخرى في كل دولة عربية وإسلامية، وهي كتب لن ترحب بالعلمانية والديمقراطية والليبرالية، حتى لو تمت إزاحة التهديد المذهبي المنافس.

ومشكلة الديمقراطية والعلمانية لا تنحصر في الإسلاميين في العالم العربي، فهناك مثقفون وكُتّاب قوميون وتقدميون وتنمويون يعادون بعض تجلياتها، كما هو معروف، فما المخرج؟

إن رفض العالم العربي والإسلامي للمبادئ السياسية الحديثة وأفكار العولمة الحضارية يضع المسلمين أمام ثلاثة خيارات في اعتقادي:

1- دولة تخلط بين الشريعة الإسلامية والتراث القومي من عادات وتقاليد وبين القوانين العصرية المحلية والدولية، كما هو حال معظم دول العالمين العربي والإسلامي اليوم.

2- نماذج الدولة الموجهة التي يقترحها بعض المثقفين، أو الدولة التي تقترحها جماعات الإسلام السياسي وبخاصة «الإخوان المسلمين» وحزب «التحرير» وإيران، وهي قائمة على الأرجح، على مظاهر الحداثة السياسية، المفرغة من المفاهيم الدولية في الديمقراطية والليبرالية والعلمانية وحقوق الإنسان، كالتي نراها في الدول الأوروبية والغربية واليابان مثلاً، فهي أنظمة قمعية بقفازات حريرية في أحسن الأحوال.

3- نموذج الدولة «الإسلامية» كما تريدها الجماعات السلفية «الجهادية» والمجموعات الإرهابية كـ«القاعدة» و«داعش» و«النصرة»، والتي هي بمثابة أقصى نماذج الإسلام الشمولية والتسلطية العنيفة، التي تعزل المسلمين عن كل العصر والحقوق والمنجزات الحضارية، وتعيدهم قروناً إلى الوراء، وتعدهم بمستقبل مجهول.

نحن في المشرق العربي والإسلامي لا نريد للأسف دولة الاستقرار والإنتاج والقيادة العصرية المسؤولة، بقدر ما نلهث ربما خلف نماذج الزعامة والقوة والوجاهة والانتقام والسلطان. أم تراني هنا كذلك، بجانب الألماني «روريش»، ربما ضحية أخرى «للتنميطات الاستشراقوية»؟

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.