.
.
.
.

الوابلي والشامتون بالموت!

تركي الدخيل

نشر في: آخر تحديث:

لم تخطئ عين الراحل عبدالرحمن الوابلي، رحمه الله، رؤية المجتمع بصورة صافية ندر مثيلها.

كانت نصوص الراحل الفنية وكتاباته، مزيجا من التحليل التاريخي، والانثربولوجيا الاجتماعية، والوعي الديني، والفضاء الفكري الممتد.

لم يكن يحب الظهور الإعلامي الكثيف، واكتفى بعددٍ محدود من اللقاءات التلفزيونية. ذاع صيته حين واجه التطرف، بكل موضوعية، ورصد مظاهر الخروج عن براءة المجتمع الأصلية.

ابن بريدة، رحل واقفا كأنه نخلة باسقة، وقف أمام الهجمات المغرضة كالجبل الأشم. تشم في نصه رائحة الطين، وعبق الحقول، وعطر الأرياف، ومناخ نجد في أماسيها الصافية، حتى لكأنه نبع عصي على النضوب.

تفقد الدراما الخليجية والصحافة السعودية الكاتب الحاذق الذي يكتب نصه بحد الدبوس، مهتما بالتفاصيل مثل ناسج سجاد، أو جواهرجي يرصع عقدا ثمينا.

كان الوابلي مولعا بالتحليل التاريخي المرتبط بالتساؤل، وبالمراحل التي عاشها المجتمع السعودي قبل الطفرات، فمنحنا بعدا تحليليا لفهم حاضرنا، انطلاقا من «القطيعة» التي حدثت بين مرحلتين، بفعل الثروة النفطية.. قطيعة لم تأخذ وقتها الطبيعي، بل كان الانتقال أشبه بالانتشال المفاجئ من الطين إلى الاسمنت، من البراءة حد الملائكية، إلى العنف الرمزي والاجتماعي والغرق بدوامات من دوائر التطرف بكل متاهاتها المزعجة.

رحل عبدالرحمن، فاستغل فلم يردع الموت بعض المتطرفين، من الشماتة به.. حتى في وفاته، أدار الوابلي ظهره للصغار والجهلة، ولسان حاله يبتسم ويقول: أعان الله الوطن!

طبت حيا وميتا، وغفر الله لك يا أبا جهاد.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.