.
.
.
.

فنون إدارة المحروسة

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

عشت الزمن الذي كان فيه متوسط عمر الوزارة شهوراً (١٣ شهراً في عهد الرئيس عبدالناصر و١١ شهراً في عهد الرئيس السادات)، وكان ذلك باسم التغيير والتواؤم مع طبيعة المرحلة، كما عشت الزمن الذي كان فيه متوسط عمر الوزارة سنوات (فى عهد الرئيس مبارك استمرت وزارة د. عاطف صدقى تسع سنوات، أما وزارة د. أحمد نظيف فاستمرت ست سنوات كان ممكنا لها أن تزيد لولا ثورة يناير المباركة)، وكانت الحجة أن ذلك أدعى إلى الاستقرار. ربما كانت طبيعة المرحلة هكذا، ولكن المرحلة الثالثةـ ما بعد الثورة المباركةـ شهدت تشكيلات وتعديلات وزارية كثيرة، ربما تكون عصية على الحصر، ولا يمكن تفسيرها بالتغيير أو الاستقرار بالطبع، هي حالة خاصة على الأرجح أنها كانت تشى بأننا لا نعرف ما نريد.

على أي الأحوال، وسواء كان الزمن له علاقة بالتغيير أو الاستقرار أو البحث عما نريده حقاً، فقد كانت لدى مشكلات كبيرة مع التشكيلات الوزارية المتعاقبة. وربما كان سبب المشكلة راجعاً إلى النظر المستمر لما تفعله الدول المتقدمة، أو الدول التي سبقتنا في طريق التقدم. وعلى سبيل المثال فإن هذه الدول لا تعرف وزارة يكون حجمها يتعدى الثلاثين وزيراً، وأحيانا ٣٦ وزيراً، والغالب أن عدد الوزراء لا يزيد على العشرين في أقصى الأحوال، وكلما ازدادت الدولة تقدماً اقترب عدد الوزراء من عشرة. علاقة التقدم بالعدد مهمة، لأن الأول لا يحدث ما لم يكن الثانى قابلاً للنقاش والحوار وتلاقى الأهداف، فضلاً عن العيون التي تقرر أن الجميع في مجلس الوزراء فعلاً يلتقى على صفحة واحدة من الكتاب. كذلك فإن هذه الدول تعرف تشكيل الوزارة من خلال منهجين: الأول أنها القادمة من الحزب (الأغلب أنه فاز في الانتخابات العامة النيابية أو الرئاسية) وبالتالى يكاد يكون معروفاً من قبل من الذي سوف يتولى كل الحقائب الرئيسية على الأقل، وكلهم لهم منهج وربما أيديولوجية متفق عليها. والثانى ما لم يكن هناك توافق حزبى يكون هناك توافق على المهمة، وذلك معتاد خلال المراحل الانتقالية للدول.

لا هذا ولا ذاك يوجد لدينا، لا توافق حزبى، ولا مهمة واضحة للجميع، ما لم نعتبر أن ما قال به السيد رئيس الوزراء شريف إسماعيل أن مهمة الحكومة هي «تطوير الملف الضريبى والجمارك، وخفض العجز في الموازنة العامة». لا بأس بهذا هدفا يلتقى عليه الجميع، ويسعى كل في موضعه إلى خفض الإنفاق العام من ناحية، وزيادة الموارد من ناحية أخرى. فهل السادة الوزراء الجدد لديهم ملكة خاصة في هذا الموضوع، بالطبع نتمنى ذلك، خاصة أن زيادة الموارد وتخفيض النفقات كلاهما يمكن رصده وتقييمه. وربما تكون المهمة أكثر وضوحا لو اتفقنا على المدى الذي نصل إليه في خفض عجز الموازنة العامة، والكيفية التي سيتقدم بها كل وزير لهذا الهدف. ولكن ألم يكن مفيداً أن يتصل ذلك كله بمهمة أكبر تعكس توجهاً للعمل الوطنى كله ولها علاقة بما تواضعنا عليه (أو أرجو أن نكون قد تواضعنا عليه) وهو «رؤية مصر ٢٠٣٠» لأن لكل وزير فيها نصيب.

المسألة هي على الوجه التالى: إذا كان العصر جديداً فإن هذه الجدة سوف ترتبط بتنفيذ ما توافقنا عليه مثل الدستور في تنظيم الحياة العامة خاصة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومثل «رؤية مصر ٢٠٣٠» باعتبارها خريطة الطريق إلى المستقبل، وبمعنى من المعانى فإنها تعد امتداداً لخريطة المستقبل الأولى التي وضعت العلامات على طريق تنفيذ المرحلة الانتقالية بعد ثورة يونيو المباركة أيضاً. هذه الرؤية مدتها خمسة عشر عاما، ونحن الآن في العام الأول منها ٢٠١٦/ ٢٠١٧، ومن المتصور أن عام ٢٠٢٠ سوف يشكل محطة من المحطات المهمة على مسار تنفيذ الرؤية، وهكذا فإن المطلوب تنفيذ خُمس الطريق إلى هذه المحطة. فهل السادة الوزراء الجدد والقدامى على وعى بهذه «الرؤية»؟ وهل نصيب كل منهم من العمل على تنفيذها واضح لكل وزير؟ وهل يمكن أن نخرج من المعرفة ببرنامج عمل واضح في كل المجالات يشرحه ويتمسك به الوزير أمام الرأى العام ومجلس النواب؟

الشواهد الأولى لتشكيل الوزارة، وأحاديث السادة الوزراء لوسائل الإعلام، تطبيقاً لطلب الرئيس بالشفافية ومخاطبة الرأى العام، لا تعكس حتى الآن أنهم واعون بالرؤية، والأخطر بالهدف المحدد لتخفيض عجز الموازنة. الخشية هنا أننا لم نعتد كثيراً السير معاً في اتجاه هدف أو لتحقيق مهمة، والمرجح أن بيروقراطية كل وزارة سوف تقوم بأسر الوزير من خلال مغريات المنصب مع التهديد المستمر بأن كل عمل قد يتضمن إهداراً للمال العام. البيروقراطية ليست مشغولة بالهدف (خفض العجز في الموازنة)، ولا بالرؤية (مصر ٢٠٣٠)، لأنها من ناحية لا تعرف ما هي المشكلة في زيادة العجز وقد عاشت مصر طوال سنوات وعقود تحت أشكال مختلفة من العجز المادى والمعنوى والمالى، كما أنها لا تعرف ولا ترغب في تحقيق التقدم، لأنه يقلب أوضاعاً تراها مستقرة، كما أنه لا يضمن أن جميع من هم في بر مصر سوف يحصلون على نصيبهم «العادل» من هذا التقدم.

على أي الأحوال لا نريد استباق الأحداث، وفى كل الأحوال فإننا نتمنى التوفيق للتشكيل الوزارى قديمه وجديده. ولكن هذا التوفيق سوف يتحقق فقط إذا ما وضعت الوزارة، وبتأييد من السيد رئيس الجمهورية، عدداً من السياسات العامة التي تتخذ فيها قرارات سيادية تفك أسر الوزراء من البيروقراطية وتعطيهم الفرصة للعمل من أجل تحقيق الهدف. هنا يوجد ثلاثة مجالات تحتاج قرارات سيادية: أولها وقف كل ما يسبب نزيفاً للموازنة العامة وهو ما يحدث من خلال ليس فقط شركات قطاع الأعمال العام، وإنما أيضا من خلال الهيئات والمؤسسات العامة المصممة على زيادة العجز من خلال الضغط على الحكومة بجميع الوسائل لتوفير أرباح حيث توجد خسائر، وحوافز حيث لا يوجد عمل. وثانيها- وربما كان ذلك هو الأهم- إطلاق يد الوزارات والمؤسسات العامة في إدارة الأصول الواقعة تحت يدها، فلا أعرف مؤسسة قومية أو هيئة عامة لا توجد لديها أصول من أراض وممتلكات ومبان وشركات غير مستغلة. فمن العار أن تتكبد هيئة السكك الحديدية كل هذا النزيف من الخسائر بينما تحت يدها مئات المحطات، وآلاف الأفدنة من الأراضى التي يمكن استثمارها جميعاً. وينطبق الحال على شركات وهيئات ومؤسسات قومية كثيرة. وثالثها أنه آن الأوان لقرارات تفك القيود عن الحكومة المركزية بإعطاء الفرصة للمحافظات لكى تنقب عن الثروات الموجودة في نطاقها الجغرافى، وتبحث عن الاستثمارات التي يسعى لها مهاجروها المصريون في الخارج. باختصار: نطلق العنان للامركزية في مجالات كثيرة، فيكون في الأمر منافسة، ومقارنة، وقيادات جديدة.

الحقيقة هي أن مصر دولة غنية وليست فقيرة، ولكن فقرها يرجع إلى فشل مزمن في إدارة الثروة الوطنية، وإخفاق في استغلال الأصول القومية لأننا باستمرار كنا أسرى الأقل قدرة، والأقل علماً، والأقل مهارة، والأقل ثروة. هل يمكن للتشكيل الجديد لوزارة السيد شريف إسماعيل أن يقلل العجز في الموازنة العامة من خلال تقليل النفقات، وهى الحكمة بعينها، وزيادة الموارد، وهى المهارة ذاتها؟ الإمكانية متاحة بالتأكيد، فهدر الموارد ذائع وشائع، والفرص موجودة بلا حدود، وما علينا إلا التعلم ممن سبقونا والذين جعلوا المطارات أكثر غنى من شركات الطيران، والمستشفيات تكون غزيرة العائد حتى مع عدم وجود وزارة للصحة، والمؤسسات الصحفية قيادات كبرى في عالم الفكر والإعلام وقيادة الرأى العام، حتى مع تراجع توزيع الصحافة المطبوعة.

وأخيراً فإنه مع كل تشكيل وزارى جديد تكثر الآمال والتوقعات، ومن بعدها تظهر التساؤلات وتتسلل الإحباطات، ثم تأتى فترة اكتمال الدورة الوزارية فيكون توقع تشكيل وزارى آخر بكل ما فيها من قلق، وطرح أسماء. أرجو ألا يكون الأمر كذلك هذه المرة؟!.

*نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.