كيف يمكن ترجمة بيان الحكومة على الأرض؟
أخيرًا، ألقى رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل بيان الحكومة أمام مجلس النواب ظهر أمس الأحد. هذا تطور جيد، أن يكون هناك برلمان منتخب وحكومة تلقى بيانها لنيل ثقة هذا المجلس، بغض النظر عن كل ملاحظاتنا على الظروف والأجواء والطريقة التى جرت بها الانتخابات، خصوصا قانونى الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية أو الدور الرهيب وغير المسبوق الذى لعبه المال السياسى فى هذه الانتخابات.
ثم إنه من الجيد أن يحرص رئيس الوزراء على مقابلة غالبية نواب البرلمان فى جلسات مختلفة قبل عرض البيان، وبعدها يجرى تعديلا وزاريا طال عشرة وزراء من حكومته، قال البعض إنه يغازل النواب، ويستجيب لبعض ملاحظاتهم على الوزراء ذوى الأداء السيئ.
كل ما سبق جيد، وجيد أيضا أن يقدم رئيس الوزراء بيانا عما تنوى الحكومة تنفيذه خلال عامين ونصف من الآن متضمنا محاور ونقاطا وبنودا وتفاصيل كثيرة، تشمل كل المجالات التى تخص المواطنين تقريبا من أول الحفاظ على الأمن القومى نهاية بإزالة المناطق العشوائية فى بعض المحافظات.
مشكلة كثير من المصريين مع مثل هذا النوع من البيانات والبرامج أنهم لم يصدقوها طوال سنوات حكم مبارك، ولا يعرفون لماذا سوف يصدقونها الآن؟!
فى كل وزارات مبارك كان رئيس الوزراء يذهب إلى البرلمان ويلقى البيان الحكومة، ولا يشعر الناس أو حتى الإعلام الجاد بشىء، كان كلاما مكررا ومملا وبلا أى معنى أو التزام حقيقى. باع رؤساء الوزارات فى عهد مبارك الوهم للمواطنين فى البيانات التى كانوا يلقونها أمام برلمانات الحزب الوطنى ولم يحاسبهم أحد على أكاذيبهم، لكن النتيجة أن الحزب الوطنى والبرلمان وحسنى مبارك وكبار مساعديه تبخروا مع أول صيحة غضب فى ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١. الآن هل تغير شىء؟!
كثيرون يعتقدون أن شيئا جادا لم يتغير، وفريق آخر يعتقد أن الشعب بنفسه قد تغير، وما كان يجوز قبل ٢٠١١ لم يعد جائزا الآن، والشعب الذى أسقط مبارك والإخوان، لن يترك أى حكومة تمارس النصب والضحك عليه مرة اخرى.
فى الماضى كان غالبية المصريين أعضاء عاملين وفاعلين فى حزب الكنبة، لكن معظهم استقال من هذا الحزب، وبدأ يشارك فى المشهد السياسى كنتيجة مباشرة لثورة ٢٥ يناير، وكذلك بسبب ثورة الاتصالات التى ترغم مواطنين كثيرين على المطالعة والمعرفة والمشاركة وإبداء الرأى خصوصا فى وسائل التواصل الاجتماعى.
قد يكون البعض يئس من السياسة و«قرفها» وقد يكون البعض يشعر باليأس جراء الأزمات المعيشية أو استمرار الإرهاب، أو غياب التوافق العام وانسداد الأفق السياسى، لكن رغم كل ما سبق، فإن متغيرا مهما حدث فى طبيعة المصريين وعلاقتهم بالسلطة وهو ارتفاع سقف التوقعات مصحوبا بعدم الصبر.
نعود إلى بيان شريف إسماعيل ونقول ان المصريين العاديين سوف يحكمون على الحكومة من خلال كيف يمكن ترجمة ما ورد فى البيان على الأرض.
ما يهم هذا المواطن أسئلة كثيرة وأساسية من عينة: هل سأجد السلع الرئيسية بأسعارها المعقولة، خصوصا الزيت والأرز هذه الأيام؟! وإلى أى حد سوف تواصل أسعار الخدمات، خصوصا الكهرباء والمياه والغاز ارتفاعها؟ وما هو التحسن الذى سوف يطرأ على التعليم والصحة والنقل وسائر الخدمات؟!
المواطن العادى لا ينشغل بالكلام الكبير «المجعلص» فى البيانات الحكومية، هو يريد أن يرى أحواله المعيشية تتحسن، وأن يكون هناك أمل فى الغد.
قد لا يهتم المواطن البسيط بالديمقراطية، لكنه فى المقابل يتمسك تماما بحريته الشخصية والحفاظ على كرامته وانسانيته، تلك هى المعادلة، فكيف ينجح بيان شريف إسماعيل فى ترجمة كل ذلك على الأرض؟!.
* نقلا عن "الشروق"