.
.
.
.

مؤتمر الصوفية.. وتسييس المذاهب

ذِكْرُ الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

استضافت نيودلهي الأسبوع الماضي «المؤتمر الدولي للصوفية»، الذي نظمته منظمة جديدة نوعاً ما تسمى «مجلس العلماء والمشايخ بعموم الهند»، تحت شعار «السلام والتسامح والحب غير المشروط». وللأسف لم يشهد المؤتمر أي شيء يبرر رسالته.

وقد حاول منظمو المؤتمر، الذين يدعمهم الحزب الحاكم، نشر الفوضى الطائفية باسم الصوفية، واتهموا أتباع المسالك أو المذاهب الأخرى للإسلام بأنهم يدعمون الإرهاب. لكن إعلانهم أنه باستثنائهم فإن أتباع جميع «المسالك» الأخرى يدعمون التطرف ويشجعون الإرهاب تصرف يفتقر إلى الذوق، ولاقى انتقادات شديدة من جميع المسلمين في البلاد. ومثلما هو الحال في جميع بلاد العالم، فإن المسلمين في الهند يتبعون مذاهب مختلفة. فهناك الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية الذين يتبعون مدارس الفقه السُني، في حين أن الجعفرية، والاثنا عشرية والإسماعيلية والبهرة يتبعون المدارس الفقهية الشيعية. ولم يكن هناك أي عداء أو خلافات بينهم، حتى استولى البريطانيون على الهند، وبدأوا في نشر الكراهية بين أتباع المذاهب الإسلامية، حتى يتسنى لهم حكم البلاد من خلال اعتماد سياسة «فرق تسد».

وهناك مجموعتان من الصوفية في الهند. المجموعة الأولى تتبع الطريقة «القادرية» أو «النقشبندية» أو «الجشتية». وهي تقر المتطلبات الأساسية للشريعة مثل الإيمان بوحدانية الله، وأداء الصلاة والصوم والحج ودفع الزكاة. وأتباع هذه الطريقة يقضون الليالي في أداء صلاة التهجد وتكريس حياتهم في عبادة وذكر الله. ولكن هناك مجموعة أخرى تؤمن بـ «الوجد» و «سماع» الموسيقى والرقص والتبرك بالقبور. ويتأثر هذا الفرع من التصوف بآسيا الوسطى والصوفية التركية التي جاءت إلى الهند خلال الحكم الإسلامي، وجلبت معها عدداً من البدع في الدين. ومن أبرز هؤلاء «محمد سعيد سرمد»، وهو يهودي من أميركا تحول إلى دين الإسلام. «سرمد»، الذي كان يطلق عليه «الدرويش العاري»، يعيش في دير دون ارتداء أي ملابس، وكان يجمع عدداً من الأتباع حوله. وقد قتل على يد الامبراطور المغولي المسلم «أورنك زيب»، بسبب عاداته الغريبة وممارساته المليئة بالبدع. ومنذ ذلك الحين، وأتباعه يشعرون بمرارة قوية ضد الإمبراطورية المغولية.

وعندما احتل البريطانيون الهند، وهزموا الامبراطور المسلم «بهادر شاه ظفر»، واجهوا مقاومة شرسة من الهنود، سواء كانوا هندوس أو بوذيين أو مسلمين ينتمون لمختلف مذاهب الإسلام. ولأنهم أدركوا أن الصوفيين في الهند لا يهتمون بالسياسة، وليسوا أتباعاً صارمين لتعاليم الإسلام، بدأوا في رعايتهم. ومنذ أن استولوا على السلطة من الحكام المسلمين، كانوا يخشون من معارضة المسلمين لطموحاتهم الاستعمارية. ولذلك، فقد بدؤوا في استخدام هؤلاء الصوفيين ضد أتباع المذاهب الأخرى، والذين كانوا مناهضين للاستعمار ومناهضين تماماً للاحتلال البريطاني. ومنذ ذلك الحين، من المعروف في الهند أن انتماء الصوفيين لهذه الجماعة يمكن استخدامه بسهولة ضد أتباع مذاهب الإسلام الأخرى.

وعندما تولى الحزب اليميني الهندوسي بهاراتيا جاناتا السلطة في الهند، بدأ في تعزيز هذه المجموعة من «الصوفيين»، ضد أتباع المذاهب الأخرى. وبالتالي، بمجرد انتشار أنباء عن دعم الحزب الحاكم للمؤتمر الدولي للصوفية في نيودلهي، حذر القادة المسلمون من جميع طوائف المجتمع المسلمين الهنود ضد المؤامرة التي تحاك من قبل المنظمة الأم للحزب الحاكم، وهي منظمة «راشتريا سوايام سواك سيج» الهندوسية، لدفع المسلمين في معارك بين الطوائف. ورأوا فيها محاولة من قبل الحزب الحاكم لتقسيم المسلمين من خلال خطة لتأسيس بنك للأصوات بين مجموعة معينة من المسلمين، وأكدوا على أن الحزب الحاكم كان يتحرك من الانقسام بين الهندوس والمسلمين إلى الصراع بين المسلمين والمسلمين لاستقطاب الناخبين على أسس طائفية.

ليس هناك من شك في أن الفضل في انتشار الإسلام في شبه القارة الهندية يعود إلى الصوفيين الذين حكموا قلوب الجماهير. وكانت مهمة هؤلاء الصوفيين هي تأسيس الأخوة والوحدة بين البشر. ويُعرف الصوفيون بأنهم مثال للبساطة والعفة وإنكار الذات. وهم يعيشون في تواضع ويحرمون أنفسهم من جميع الاحتياجات الدنيوية، وهو الأمر الذي للأسف لم يشهده هذا المؤتمر.

ولأسباب عديدة، شاب المؤتمر العديد من الخلافات منذ بدايته. وكانت الوفود الأجنبية تمثل روح رسالة الإسلام، وكانت أبحاثهم أكاديمية ومدروسة جيداً، وبحاجة إلى مناقشتها بعد العرض. بيد أن شيئاً من هذا لم يحدث. فلم تكن هناك أي مناقشات أو تعليقات على العروض أو الأبحاث المقدمة. وألقى منظمو المؤتمر اللوم مراراً وتكراراً على المذاهب الإسلامية الأخرى باعتبارها داعمة للإرهاب، في حين أن الحقيقة هي أن كل الجماعات والمنظمات الإسلامية أدانت الإرهاب. وهذا اتجاه واضح لقادة المجتمع الهندي المسلم، والذين هم في الواقع مسؤولون عن التحقق من خطر الإرهاب بين المسلمين الهنود. إن جهود الحزب الحاكم لبث التفرقة بين المسلمين الهنود، من خلال الترويج لطائفة من الصوفيين ضد أتباع المذاهب الأخرى من الإسلام، فشلت فشلاً ذريعاً، حيث إن مسلمي الهند كانوا من اليقظة والحكمة بما يكفي لفهم أي تلاعب يكمن وراء محاولات التفرقة بين المذاهب الإسلامية.

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.