المرشد.. و«بيت الطاعة»
أعود فأقول مجدداً، إن اختيار الأستاذ «عاكف» كمرشد عام للإخوان كان خطأ كبيراً يتحمله أعضاء مكتب الإرشاد، ومنهم كاتب هذه السطور.. كما أن سكوتهم على الأخطاء التى ارتكبها الرجل وعدم محاسبته عليها خلال الفترة التى قضاها مرشداً يتحمل مسئوليتها هؤلاء الأعضاء.. ومن ثم، لست مبالغاً إذا قلت إن الأستاذ «عاكف» كان ضحية وجانياً فى آن واحد..
إن الرجل لم يكن مؤهلاً على الإطلاق لتولى هذا المنصب.. لم توضع آنذاك معايير للاختيار، من حيث التوصيف الدقيق لمهام المنصب، والصفات الذهنية والنفسية والعصبية والوجدانية، فضلاً عن القدرات والكفاءات الملائمة التى يجب توافرها فيمن يتولاه.. نفس الشىء وقعت فيه قيادات الجماعة عندما اختارت الدكتور محمد بديع مرشداً، وأيضاً عندما تم اختيار الدكتور محمد مرسى رئيساً لحزب الحرية والعدالة، ثم مرشحاً لرئاسة الجمهورية..
كذلك نفس الشىء حدث بالنسبة للدكتور محمد سعد الكتاتنى فى رئاسة الحزب، ثم فى رئاسة مجلس الشعب، وهكذا.. هذه تذكرة واجبة أقولها للتاريخ، حتى تعلم الأجيال المقبلة كيف كانت تدار جماعة الإخوان.. أعود فأذكر القارئ الكريم بما قلناه فى المقال الفائت، ونحن نستعرض أحد ملامح شخصية الأستاذ «عاكف»، وهو السلوك الميكيافيلى فى تعامله مع أعضاء مكتب الإرشاد.. لقد تكلمنا عن حالتين، واليوم نتحدث عن الحالة الثالثة وهى عندما يكون أعضاء المكتب جميعاً فى جانب والمرشد فى جانب آخر.. صحيح أنها كانت مرات قليلة، لكنها برزت فى عدة مواقف وكان لها أثرها السيئ على مستوى الجماعة ككل..
كان تصرف المرشد فيها من الناحية الظاهرية متبايناً من موقف لآخر حسب طبيعة القضية، لكن سلوكه كان محكوماً دائماً بهذه التركيبة النفسية والعصبية.. على سبيل المثال، أجرينا فى أواخر مايو ٢٠٠٨، انتخابات تكميلية لاختيار ٥ أعضاء فقط من مجلس الشورى العام لكى يصبحوا أعضاء فى مكتب الإرشاد.. وفى اليوم الذى ظهرت فيه النتيجة، لم يكن من بينهم عصام العريان الذى جاء ترتيبه السادس، ورغم الاتفاق على ٥ أعضاء فقط، فوجئنا بالمرشد يقول: ولماذا خمسة فقط، ولا يكونون ستة أو سبعة؟ قال ذلك فى محاولة منه لتصعيد عصام العريان..
وكانت المحاولة مفضوحة.. لذا، عارضه الموجودون من الأعضاء معارضة شديدة، وكان كلامهم قاسياً وعنيفاً، اضطر الرجل معه إلى التراجع وابتلاع ما قال.. كان موقفه حرجاً للغاية، وكتم ذلك فى صدره، وإن كان لم ينسه، وظل يتحين الفرصة تلو الأخرى لكى يطرحه من جديد.. كان ينتهز الأوقات التى يتحدث فيها مع بعض الأعضاء الذين يرى فيهم ليناً، ليطرح الأمر، لكن ذلك لم يكن يثمر شيئاً.. وهو ما جعله يفكر فى مسألة إسقاط عضوية الإخوان الذين مضى عليهم فى مكتب الإرشاد أكثر من ٨ سنوات، واستغل فى ذلك حجة الأداء المحدود والمتواضع للمكتب(!) بعد وفاة الأستاذ محمد هلال عضو المكتب فى ٢٣/٩/٢٠٠٩، أثار المرشد مع أعضاء المكتب مسألة تصعيد عصام العريان، فلم يوافقوا..
تودد إليهم، فلم يجد إلا صدوداً.. قال لهم: إذاً، لأجل خاطرى، فرفضوا.. فما كان منه إلا أن تركهم وغادر إلى بيته.. ذهبوا إليه لمصالحته، فاشترط عليهم موافقتهم على تصعيد «عصام»، فأبوا.. لزم الرجل بيته ولم يكن يحضر إلى المكتب.. وفى مساء يوم ٧ أكتوبر ٢٠٠٩، اتصل بى، حيث كنت فى أسيوط، يستعجلنى الحضور إلى القاهرة، لأنه -حسب تعبيره- تعب وقرر أن يأخذ إجازة.. ولم يكتف بهذا، بل أرسل إلى كل من بديع والكتاتنى يرجوانى ويستحثانى على الحضور لرئاسة جلسات مكتب الإرشاد، حسبما تقضى اللائحة.. وجئت إلى القاهرة، وبدأت أمارس مهامى فعلاً..وأحس الجميع بأن ثمة أسلوباً جديداً فى إدارة شئون الجماعة، بدءاً بمكتب الإرشاد، مروراً بمؤسسات الجماعة، وانتهاء بآخر فرد فى الصف..
استمعت طويلاً لتصورات الأعضاء والمشكلات التى يواجهونها فى عملهم.. وجرت مناقشات تفصيلية حول كل شىء.. استمرت الجلسة الأولى حوالى ٧ ساعات كاملة، لدرجة أن أحد الأعضاء قال متسائلاً: هل سنبقى طويلاً؟! قلت: لقد مضى الوقت كله فى العمل، وأظن أننا أنجزنا اليوم شيئاً كثيراً.. ثم قلت: ألم تكونوا تشكون مر الشكوى من الأستاذ «عاكف» الذى لم يكن يستمر فى الجلسة سوى ٢٠ دقيقة؟ فرد قائلاً: «يعنى نشرب بقى»؟! أبديت رغبتى لعضوى المكتب د. محمد بديع ود. محمد مرسى، أنى أريد اللقاء مع أمانتى القسمين اللذين يشرفان عليهما، وهما الأسر والتربية، والسياسى، وذلك لمتابعة خططهما وبرامجهما، فلم أجد لديهما ارتياحاً أو استعداداً لذلك(!)
أعود فأقول: لقد كانت خطة المرشد تعتمد على استقدام النائب الأول، حتى إذا ما شعر الأعضاء كما يقول المثل: «نار عاكف ولا جنة حبيب»، بدأوا فى العودة إليه.. وهو ما حدث فعلاً.. فقد كان فى انتظارهم، وقد حكى لى ما دار بينهم من حوار قصير، لكنه موحٍ ومعبر.. قالوا له (برقة ظاهرة): أنت الوحيد الذى نخاف منه.. ولا نعمل حساباً إلا لك.. انتشى الرجل لما سمع، وأحس أن كبرياءه المهدورة قد عادت إليه.. قال لهم: نتوافق إذن.. فوافقوا.. كان المرشد يريد أن يدخلهم «بيت الطاعة» من جديد.. وقد فعل.. وكانوا أذكياء إذ أشبعوا فيه جنون العظمة الذى يعرفونه عنه، حتى يعود إليهم ليستعينوا به على تخضيد شوكة النائب الأول، وليستكملوا خطتهم فى اختيار المرشد الجديد..
والحقيقة أنى كنت أعرف هذا السيناريو، وأدرك تفاصيله بالمواقف والتواريخ، وتحدثت فيه مع أولادى.. وكان ردهم: دعهم الآن، واستقل، ولا تشترك فى هذه المهزلة.. إنهم يريدون الإبقاء عليك منزوع الريش حتى آخر لحظة.. حتى تتم المؤامرة وتخرج بطريقة مهينة عبر انتخابات شكلية مرتبة بليل(!!!) والسؤال: إذا كنت تعلم ذلك، وحذرك أولادك.. فلمَ كان استمرارك؟ أجيب فأقول: كنت حريصاً لآخر لحظة على تأجيل انتخابات مكتب الإرشاد وتسمية المرشد الجديد.. وتم ذلك بشكل واضح وصريح مع «عاكف»، لكنه تنصل من كل وعوده، وخذلنى.. كان صغيراً إلى مستوى لا يمكن تصوره(!) لقد كان هناك الكثيرون من مسئولى المكاتب الإدارية مؤمنين بالتأجيل، وأنه لا يمكن إجراء انتخابات فى هذا الجو المضطرب، وقالوا هذا للمرشد، لكنهم -للأسف- غيروا رأيهم وقناعاتهم(!) لقد كان هناك من يتحرك فى الخفاء، واتبع فى ذلك كل الأساليب غير الأخلاقية(!) وكان علىّ أن أتحمل بإباء وشمم وشهامة ورجولة، ودون الهبوط إلى مستنقع التآمر والخيانة(!!)
*نقلا عن "الوطن"