.
.
.
.

الإحاطة والحصار

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

بعد مهرجان الاتفاقات التي وقِّعت في القاهرة بين السعودية ومصر أول من أمس، خلنا أن الاتفاق الثاني بين الملك سلمان والرئيس عبد الفتاح السيسي سوف يكون توقيع الوحدة بين الدولتين. أو بالأحرى لم تعد في حاجة إلى توقيع أو إعلان.

فيما يمر العالم العربي بأسوأ مراحل الضياع والتشقق، أقامت السعودية ومصر عرضًا تاريخيًا مفرحًا ونادرًا للعلاقة القومية وحسن الجوار. وإذ يشتد الحصار حول مصر، قدَّم الملك سلمان درسًا آخر من دروس الفارق بين الإحاطة والحصار، بين الأخوّة الصادقة وخَطْب الأُخُوّات، وترك توقيعه على علاقة لا تنسى: الجسر البحري الذي يحمل اسمه، ويجمع بين البرّين ويربط بينهما ربط العروة الوثقى.

ليس في ذاكرتنا مثل هذا المشهد العربي: الملك في مصر ومعه حاملو مفاتيح الإدارة في الدولة، وقد هيأوا وحضروا منذ زمن لمثل هذه الزيارة وعناصرها وبنودها. ولم يترك خادم الحرمين بعدًا رمزيًا إلا ضمّه إلى كتاب العلاقات الذهبي، فطاف في الأزهر في موكب من العلماء، واستقبل بابا الأقباط، والتقى كبار أهل السياسة ورجال الجيش، واحتشدت له شخصيات مصر، حاليون وسابقون. وقضيا في رمز الإحاطة، بدءًا في إقامة الجامعة الكبرى في سيناء، ووثق وضع الجزيرتين اللتين لم يكن أحدنا يعرف هل هما لمصر أم للسعودية. وقد كنا نعرف في الماضي أن المملكة هي بلاد الربع الخالي، وما كنا نعرف أنها بلاد آلاف الجزر، حتى يقال إنها الثانية في تعدادها بعد إندونيسيا، مع فارق المساحات.

في التعليم، في الاقتصاد والاستثمار، في الروابط الجغرافية القومية، في التعاون الدفاعي، وفي السياسة العليا. وكما قالت إحدى صحف مصر، هذه هي البداية، ليس إلا. وعبرت الصحافة المصرية القومية والأهلية عن مشاعر المصريين، بحيث افتضحت بعض أصوات النشاز من تلقاء ذاتها.

كان ثمة قتوم شديد يغطي الأفق العربي. وخيَّل إلينا أن أبواب المستقبل قد سدت إلى غير عودة. وكان قلقنا على مصر كبيرًا ونحن نرى الرياح تضربها من كل جانب. كم تغير المشهد في مصر. وكم هو مفرح عمق الإحاطة في سوء الحصار.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.