بعيدًا عن الإنهاك
تنهك أحوال الوطن، ينهك الاهتمام بها، ينهك التفكير فى سبل الإصلاح، ينهك التساؤل عن دور الكلمة الموضوعية وحدود تأثيرها فى أوقات الإحباط والجنون والصخب.
خلال الأيام الماضية، انتهزت فرصة وجودى فى برلين للاقتراب من مسألة اللاجئين السوريين وأوضاعهم بعد أن وفدوا ألمانيا بأعداد كبيرة فى صيف وخريف ٢٠١٥. تغيرت سياسات حكومة المستشارة ميركل، لم تعد الحدود الألمانية مفتوحة ولم تعد «ثقافة الترحيب» الرسمية حاضرة بوضوح. وأسباب التغيير تعددت؛ ضغوط اليمين المتطرف ونجاحاته الأخيرة فى انتخابات برلمانات الولايات الألمانية، تدفق اللاجئين على نحو تجاوز الطاقات الاستيعابية لبيروقراطية الدولة الألمانية التى يلزمها القانون بتنظيم حصول اللاجئين على مسكن ملائم وخدمات تعليم ورعاية صحية مناسبة ودخل (نقدى أو عينى) يكفى للحياة ويلزمها أيضا بتوزيع عبء اللاجئين على الولايات والمدن الألمانية وفقا لمعايير موضوعية، المواقف المعادية لسياسة «الحدود المفتوحة» بين أغلبية حكومات دول الاتحاد الأوروبى ورغبتها فى إبقاء السوريين فى الجوار التركى (أو الأردنى واللبناني) أو إعادتهم إليه. تغيرت سياسات حكومة ميركل، ووقعت دول الاتحاد الأوروبى مع تركيا اتفاقية تقضى باستيعاب اللاجئين فى الداخل التركى مع تقديم الأوروبيين لدعم مالى ولوجيستى مؤثر.
إلا أن حضور اللاجئين السوريين فى ألمانيا يظل واضحا، وتظل تحديات تنظيم حياتهم بالغة الصعوبة. ذهبت إلى بعض معسكرات إيواء اللاجئين فى برلين رفقة صديقة تعمل فى مجال حقوق الإنسان (لدى منظمة العفو الدولية). تعرفت على عجز الطاقات الاستيعابية للمدارس والجامعات والمكاتب الحكومية المسئولة عن الرعاية الصحية والدعم النقدى أو العينى عن الاستجابة لمطالب الآلاف من اللاجئين المنتظرين. شاهدت الكثير من الأطفال غير الملتحقين بعد بالمدارس، والآباء الخائفين والمحبطين، والأمهات اللاتى يبدعن فى تنظيم حياة أسرهم ويصنعن فرص الالتحاق بالمدارس والجامعات لأولاهم عبر التواصل مع المنظمات غير الحكومية فى ألمانيا.
رأيت مترجمين رفقة الأسر السورية، وعرفت منهم أن بعضهم مدفوع الأجر من قبل حكومة برلين بينما يعمل آخرون تطوعا. تحدثت مع أصدقاء لى لهم أبناء فى المدارس والجامعات، وخبرت منهم أن المدارس الخاصة والجامعات (حكومية وخاصة) تطلق مبادرات طوعية مع المجتمع المدنى لاستيعاب اللاجئين وأن مشهد التلاميذ والطلاب السوريين فى المدارس والجامعات صار مألوفا. استمعت إلى الكثير من الآراء عن الخوف الذى تنشره الحركات اليمينية والمتطرفة بين اللاجئين والكراهية التى يحدثها خطابهم بين عموم الألمان، والكثير من التقديرات عن أعمال العنف ضد معسكرات الإيواء والمبادرات المتكررة فى مدن وقرى ألمانية (خاصة فى الجزء الشرقى) لرفض استقبال اللاجئين التى تنظمها أحزاب متطرفة كحزب «البديل لألمانيا» أو تجمعات عنصرية مثل «بجيدا» وفروعها.
هى تحديات بالغة الصعوبة، لا قبل للحكومة الألمانية بمفردها بمواجهتها ودور المجتمع المدنى بصددها حيوى ومهم.
* نقلا عن "الشروق"