دين الحرية والتعايش
فى مواجهة لأواء الحياة، يحتاج الإنسان -بين كل فترة وأخرى- أن يتوقف قليلاً ليراجع نفسه ويسأل: هل يسير فى الطريق الصحيح أم لا؟ وهل ارتكب من الأخطاء ما يستلزم الاعتذار والتصحيح، أو من الذنوب والآثام ما يستحق التوبة والاستغفار، وبالتالى العودة إلى الله؟ وهل ثمة شك أو ريبة أو دخن فى قضية الإيمان؟ إن الإسلام الذى نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين -محمد (صلى الله عليه وسلم)- يستهدف منا فى المقام الأول إيماناً خالصاً بأن الله سبحانه هو الواحد الأحد، المتصف بصفات الجلال والكمال، مالك الأرض والسماوات، وواهب الحياة والوجود، وأن الغاية الأسمى من خلقنا هى عبادتنا له جل وعلا.. يقول تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» (الذاريات: ٥٦- ٥٨).. والحقيقة أن مفهوم العبادة يتسع ليشمل أموراً كثيرة؛ فأداء الفرائض عبادة، والدفاع عن الأوطان عبادة، وإقامة العدل عبادة، والعمل وإتقانه عبادة، والسعى وراء الرزق عبادة، والذكر عبادة، والدعاء عبادة، وهكذا.. والمرء من خلال عبوديته لله يتحرر من كل سلطان؛ سواء سلطان البشر، أو سلطان الشهوات.. فى الصلاة يقف بين يدى خالقه ومولاه فى خشوع، يناجيه ويناديه، يدعوه ويتضرع إليه، يسأله الصفح والعفو، والهداية والاستقامة، والقوة والعافية، والأمن والأمان، والتوفيق والسداد، والفوز والفلاح فى الدنيا والآخرة.. ومع آيات القرآن يعيش قضايا وموضوعات وثيقة الصلة بحياته ودنياه.. فيها التشريع الداعى إلى العدل والإحسان، وصلة الأرحام، والرحمة والرأفة بالإنسان، أياً كان.. وفيها القصص الزاخر بالدروس والعبر والعظات من خلال أحداث الأولين والآخرين، وفيها الدعوة إلى التفكر والتدبر والتأمل فى الكون، وما فيه من مجرات وشموس وكواكب وأقمار.. وفيها الحديث عن آلاء الله الباهرة ونعمه العظيمة التى أسبغها على عباده.. وفيها الأخذ بأسباب العلم والتقدم والرقى، وهكذا.. وقد اصطفى الله تعالى رسلاً مبشرين ومنذرين، ليعرفوا الخلق بالله، وبأوامره ونواهيه، وبما يرشدهم ويقودهم إلى سعادتى الدنيا والآخرة.. وهؤلاء يمتازون عن بقية خلقه بسمات وصفات عليا، تمثل ذروة الكمال البشرى، قدرة وكفاءة وطاقة وعقلاً وحلماً وصبراً وتواضعاً وهمة وعزماً وإرادة ورحمة ورأفة وعطفاً.. ولأن «كل بنى آدم خطَّاء»، كما جاء فى الحديث، وأن أهواءهم تغلبهم فى معظم أحوالهم، فإن إعادتهم إلى الصواب وتثبيتهم عليه يحتاج إلى جهد متصل ودعوة مستمرة وصبر طويل.. كما يحتاج إلى رقة وعطف وتلطف، مع مثابرة ودأب وإصرار.. لذا، نقول إن الدعاة إلى الله تعالى يجب أن يكونوا موصولين به سبحانه، صادقين معه فى السر والعلن، مجاهدين لأنفسهم لإصلاح ما بها من عيوب، متخلقين بأخلاق نبيهم ومقتدين بسنته (صلى الله عليه وسلم).. عليهم أن يكونوا أصحاب فهم دقيق وفقه عميق للدين والدنيا، وهو ما يتطلب ثروة كبيرة من نصوص الكتاب والسنة، وإحاطة تامة بطبيعة البيئة التى يتحركون فيها، ومعرفة شاملة بأحوالها الظاهرة والخفية، وظروفها القريبة والبعيدة.. إن بالإسلام أصولاً، كما أن به فروعاً، وهذه الفروع فيها أقوال وآراء نسبتها إلى الناس أقرب من نسبتها إلى رب الناس، والدعاة الراشدين يعرفون واجبهم إزاء هذا كله.. أما الدعاة غير المؤهلين، فهماً وفقهاً -وما أكثرهم فى هذا الزمان- فيسيئون إلى الإسلام بأكثر مما يسىء إليه أعداؤه وخصومه.. بل إن بعضهم يعتبر نماذج رديئة، ثقافة وأخلاقاً وسلوكاً.. فى كتابه القيم (مائة سؤال عن الإسلام)، يقول الغزالى: «وأخشى أن يذهب داعية ليطعن فى قانون السببية، ويزعم أن النار لا تحرق بحرها، وأن السكينة لا تقطع بحدها، كما هو مقرر فى كتب الكلام عندنا.. أو يذهب آخر ليقول: لا تقيدوا الحاكم بالشورى، فليس يجب عليه ذلك.. أو يذهب آخر فيقول: لا بد من ضرب النقاب على وجوه النساء وحبسهن فى البيوت أغلب العمر، فلا تعلم ولا تعبد ولا تمشى فى الأسواق..» وتقوم الدعوة الإسلامية فى الأساس على الإقناع الحر، ولا مجال فيها للإكراه مطلقاً، وتؤكد على مسئولية الإرادة البشرية الحرة فى الطريق الذى تختاره، فالله تعالى أعز وأجل من أن يعبده إنسان قسراً وجبراً أو على غير رغبة منه.. بل يريد أن يعبده طواعية واختياراً.. ولا عجب فى ذلك فالحرية من أجلّ فرائض الإسلام.. يقول عز وجل: «لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ» (البقرة: ٢٥٦)، ويقول أيضاً: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: ٢٩).. والآيات فى هذا كثيرة كثيرة.. يقول الأستاذ الزيات: «إن الإسلام كان ولا يزال نعمة الله على الناس قاطبة، والوسيلة الفذة لإيضاح الحقيقة وصيانة الحقوق، وكبح جماح الباطل، وصد الجبروت.. ولم تكن الفتوح الإسلامية فتوح استعمار وجباية، وإنما كانت فتوح تحرير وهداية.. كانت فتوحاً فى الأرض للحرية والعمران، وفتوحاً فى العقيدة للتوحيد والإيمان، وفتوحاً فى الشريعة للحق والعمل، وفتوحاً فى السياسة للعدل والإحسان، وفتوحاً فى اللغة للأدب والبلاغة، وفتوحاً فى العلم للإحياء والتجديد، وفتوحاً فى الفن للابتكار والطرافة..»، إن أعظم ما توصف به الدعوة إلى الله أنها دعوة الحكمة والموعظة الحسنة، مصداق ذلك قوله: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» (النحل: ١٢٥).. لكنا للأسف، ابتلينا فى تاريخنا القديم والحديث من أصحاب التدين المنحرف -فكراً وفهماً- من يقولون ويمارسون عكس ذلك.. فقد حول الخوارج الخلاف السياسى إلى خلاف عقدى، بل حملوا السلاح لفرض آرائهم ورؤاهم، ومن يومها -وإلى اليوم- جرت الدماء أنهاراً.. وما يفعله خوارج العصر من «قاعدة» و«داعش»، وغيرهما هو امتداد لهذا الانحراف.. هذه النوعية من التدين، القائم على استئصال الشعوب واجتياح حقوقها تمثل مأساة اجتماعية، بل كارثة أخلاقية وجريمة إنسانية بكل المقاييس.. إن التعايش بين البشر، سواء كانوا مختلفين فى العقيدة أو المذهب أو العرق أو اللون أو الجنس، قيمة كبرى، يجب أن نحرص عليها ونحميها.. كما أن تغيير الواقع الإنسانى -تحت أى مسمى- بهدف جمع الناس على دين واحد هو أمر مستحيل، عقلاً ومنطقاً وتاريخاً.. لذا، فليظل حق الحياة محفوظاً لضروب الإيمان المنتمية إلى السماء، ولتعط جميعاً ضمان الدعوة إلى الله دون حرج أو ضغط، ودون مكر أو خداع.
*نقلاً عن "الوطن" المصرية