لقاء الملك سلمان شيخ الأزهر وتواضروس الثاني
زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، لجمهورية مصر العربية، ولقائه مع بطريرك الكنيسة القبطية، تواضروس الثاني، كما زيارته الأزهر الشريف، رفقة الشيخ أحمد الطيب، هي خطوات نحو إرساء مبادئ تواصل مع الأديان والمذاهب المختلفة، سواء داخل الدائرة الإسلامية أو خارجها، بهدف تعزيز قيم التعددية والحوار والتسامح، قبالة مفاهيم أحادية متشددة، يسعى الأصوليون لتعميمها على العالم، عبر عملياتهم الإرهابية، وفكرهم التكفيري.
الأمر لا يقتصر على لقاء بروتكولي شرفي، بل، يتعداه ليقول ل"الآخر" أننا معاً سوية، كلانا يجب أن نكون يداً بيد، وكتفاً بكتف، لا ينفي أحدنا الآخر، أو يزدريه، أو يحرض عليه. إنما تبنى العلاقة بين بشر متساوين في الحقوق والواجبات، ويمتلكون ذات المزايا، ليس لأنهم يعتنقون مذهبا واحدا، أو دينا واحداً، بل، لأنهم ذوات محترمة، لها حق الاختيار التام لمعتقداتهم وإيمانهم، دون إكراهات ممن يسميهم الفيلسوف الجزائري محمد أركون، ب"حراس الاعتقاد الدوغمائي الانغلاقي"، أي أولئك النفر من الأصوليين الذين يسعون لتعميم قراءة وحيدة للدين، وفق أفهامهم المحدودة، دون تشارك مع الآخر، أو أخذه بعين الاعتبار.
إن هؤلاء النفر من الأصوليين، هم أولاً وقبل كل شيء "حركيون سياسيون مفعمون بالأيديولوجيا الدوغمائية والشعارات"، كما يصفهم أركون، مضيفاً "إنهم ليسوا مفكرين، وإنما رجال سياسة بالدرجة الأولى". ولذا نجدهم "يبجلون القوة، وتصل بهم الدوغمائية إلى حد قتلك إذا لم توافقهم على خطهم أو تتبعهم".
هذا التوصيف الدقيق والصريح من قبل محمد أركون، لأصحاب الفكر المتشدد، ليس توصيفاً شتائمياً قدحياً، وإنما هو نتاج لما شاهده ورصده الفيلسوف الجزائري على مدى عقود، لطبيعة عمل هذه الجماعات، وما تتوسله من عنف واغتيالات، بغية تحقيق أهدافها.
لا يحتاج المرء لكثير عناء، فنظرة سريعة على التفجيرات الأخيرة في أوروبا، والعمليات الدموية التي ترتكبها "داعش" و"النصرة" و"القاعدة"، وسواهم من الفصائل الأصولية، في سورية والعراق وليبيا ومصر واليمن ودول الخليج.. تبين كمية العنف الممارس بشكل يومي، والذي له آثار ليست مادية فقط، بل دينية واجتماعية، ساهمت في تعميم الطائفية وشرخ المجتمع مذهبياً وثقافياً.
من هنا، تأتي أهمية لقاء الملك سلمان بن عبدالعزيز، ببطريرك الكنيسة القبطية الأرثودوكسية، وبشيخ الأزهر. فالأول رجل دين مسيحي، والثاني رجل دين أشعري صوفي. أي أنهما يمثلان فكرين مختلفين عن الفكر الديني السائد في المملكة، ومع ذلك لم يجد الملك أي ضير في اللقاء بهما، والاحتفاء بشخصيهما وما يمثلانه. وعليه فإن الرسالة واضحة، وتأتي لتثبت مفهوم التعددية الدينية، وأن الاجتهاد بين المدارس والأديان المختلفة، أمر مشروع، ومصدر إثراء للمجتمعات.
إن المسلم أياً كان مشربه: سنياً، شيعياً. والإنسان أياً كان دينه: مسلماً، مسيحياً، يهودياً.. فإن إيمانه يعبر عن "تجربة شخصية وملك خصوصي ينفرد به الشخص المؤمن"، على حد تعبير د. عبدالكريم سروش، مضيفا "كل واحد منا يمتلك إيماناً لوحده، ويموت لوحده". في تأكيد منه على فردانية التجربة الدينية، وفردانية الخلاص الأخروي.
سروش، من جهته، يعتبر أن "المجتمع الديني يقوم على أساس الإيمان الحر. لأن الإيمان لا يقبل الإكراه، ولا يقبل التوحد والاشتراك، بل يتنوع بتنوع الأشخاص، وبتتبع ذلك تتنوع الادراكات الدينية لدى الأشخاص". وهذا ما يفسر لنا نشوء هذا الكم الهائل من الاجتهادات والأفكار المتعددة طول قرون، وهو الاختلاف الذي شكل مصدر ثراء، وأدى لتطور البشرية. على العكس مما لو وقف الناس على فهم واحد، جامد، وبقوا يمتثلون بصرامة وميكانيكية لأوامره ونواهيه، فساعتها لن يغدو للحياة أي معنى، لأنها ستكون على شاكلة واحدة، وطعم مر، ولون كالح مغبر!.
*نقلا عن صحيفة "الرياض" السعودية.