.
.
.
.

خيارات ثلاثة أمام مشكلة تيران وصنافير!

مكرم محمد أحمد

نشر في: آخر تحديث:

لم يعد سراً أن أغلب الذين خرجوا للتظاهر ضد إعلان مصر حق المملكة السعودية فى استعادة جزيرتى تيران وصنافير ينتمون إلى جماعات 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وفلول جماعة الإخوان المسلمين، وكلها جماعات سياسية معارضة لا تخفى رغبتها فى الثأر من الحكم، لكن ذلك لا ينفى وجود آخرين ربما لا ينتمون إلى أى تيار سياسى، خرجوا غضباً من المفاجأة الثقيلة التى تم إعلانها فى آخر يوم من زيارة الملك سلمان، ضمن عدد من المشروعات تعتزم المملكة تنفيذها فى مصر بما أساء إلى الزيارة، وخلق شكوكاً لا مبرر لها، مفادها أن مصر باعت أرضها للسعودية!

والواضح من المشهد فى الشارع المصرى أن عمليات التحريض على التظاهر لا تزال مستمرة، على أمل أن تتزايد أعداد المتظاهرين التى لم تتجاوز أمام مبنى نقابة الصحفيين ثلاثة آلاف متظاهر، لتشكل مليونية جديدة تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، أو يتمكنون من الاعتصام فى أحد ميادين القاهرة! وبرغم الخلافات الشاسعة بين التجمعات الثلاثة التى تقود عملية التظاهر، 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وجماعة الإخوان فإنهم يشكلون تحالفاً شريراً، يرى فى أزمة الجزيرتين فرصة كبيرة لضرب استقرار مصر وتقويض الدولة المصرية وإنهاء حكم السيسى أو قطع الطريق على فرص نجاحه، ولا تتورع أى من هذه الجماعات الثلاث عن افتعال معركة مع الأمن والشرطة يسقط فيها بعض القتلى والجرحى بما يساعد على توسيع نطاق الغضب والتظاهر.

ولا يبدو حتى الآن أن أياً من هذه التجمعات الثلاثة سوف ينجح فى تنظيم مليونية جديدة، لأن السلفيين يرفضون مجمل هذا الموقف ولا يريدون الوقيعة مع السعودية، فضلاً عن أن تحرك الجماعات الثلاث قائم على حقائق مغلوطة سرعان ما يتكشف زيفها وتفسد خطط الحشد والتجمع، ووسط هذا التحالف الشرير تبدو فلول جماعة الإخوان المسلمين الأكثر نشاطاً فى محاولة تشويه صورة الرئيس السيسى وترويج القصص الكاذبة عن بيع الجزيرتين رداً على اتهام محمد مرسى بالخيانة فى قضية التخابر التى ينظرها القضاء المصرى.

ولا تجد قضية بيع الجزيرتين أى أصداء حقيقية لأن أحداً لا يمكن أن يصدق أن القوات المسلحة التى قدمت هذا الحجم الضخم من التضحيات حفاظاً على كل شبر من أرض الوطن يمكن أن تبيع الجزيرتين، فضلاً عن أن غالبية أفراد القوات المسلحة تعرف جيداً أن الجزيرتين سعوديتان، عهد الملك عبدالعزيز بن سعود إلى الملك فاروق بأمر حراستهما خوفاً من احتمالات عدوان إسرائيلى، وبرغم محاولات فلول جماعة الإخوان المسلمين إلصاق الاتهام بشخص الرئيس السيسى فإن الجميع يعرف أن هدف الجماعة الثأر من السيسى الذى أنهى تسلط حكم الجماعة على مصر والمصريين.

ومع الأسف خلقت الدولة المصرية لنفسها بسوء أدائها وإهدارها حق المصريين فى أن يعرفوا ويشاركوا مشكلة عويصة، يصعب التنبؤ بآثارها على استقرار الوطن فى ظل استمرار عمليات التحريض، وسط هذا الانقسام الحاد الذى ساد البلاد، بين الموالين الذين يؤكدون أن الجزيرتين سعوديتان لأن كافة الوثائق التاريخية والجغرافية تؤكد ذلك، ولأن عملية تحديد الخط الفاصل بين المياه الإقليمية المصرية والمياه السعودية فى البحر الأحمر أكدت أن الجزيرتين تقعان داخل المياه الإقليمية السعودية، والمعارضين الذين يرون أن بقاء القوات المسلحة المصرية على أرض الجزيرتين لما يقرب من سبعة عقود يكفى لتأكيد ملكية مصر للجزيرتين.

صحيح أن الجزيرتين لا تزالان تحت سيطرة مصر، لأنه ما من أحد يملك حق قرار نقل ملكية الجزيرتين سوى البرلمان المصرى طبقاً لأحكام الدستور الجديد، لكن سوء تصرف البيروقراطية المصرية وحرمانها المصريين من حق المعرفة، وتكتمها على عملية ترسيم الحدود البحرية التى تجرى منذ عدة أشهر أوقع الحكم فى مأزق صعب، خاصة بعد قرار لجنة ترسيم الحدود الذى أكد أن الجزيرتين تقعان داخل المياه الإقليمية للسعودية، ولا يفيد كثيراً الموقف أن يعتذر البعض بأن إلحاح السعودية على سرعة ترسيم الحدود قبل زيارة الملك سلمان كان شديداً.

ولست أعرف إن كانت هذه التجربة الصعبة قد أقنعت القائمين على الحكم فى مصر بأن إدارة شئون مصر على نحو صحيح تتطلب نهجاً مغايراً يعطى لقيصر ما لقيصر وما لله لله، ويصون حقوق الشعب فى أن يعرف ويشارك ويكون طرفاً أساسياً فى مثل هذه القضايا المصيرية، لأن المصريين تغيروا على نحو جذرى بعد ثورتى يناير ويونيو، ولم يعد فى وسعهم أن يقبلوا ما كانوا يقبلونه بالأمس، فضلاً عن أن أجيالهم الجديدة أصبحت عصية على التطويع ما لم يتم إقناعها بالعقل والمنطق والقدوة الصحيحة.

ويزيد من صعوبة المأزق أن خيارات مصر فى قضية الجزيرتين باتت جد محدودة، بما يعنى أن أمام مصر والسعودية خيارات ثلاثة لا رابع لها.

الخيار الأول:

أن يسلم البرلمان المصرى بصحة امتلاك السعودية للجزيرتين فى ضوء الوثائق التاريخية والجغرافية، وبعد مراجعة عملية تحديد خط المنتصف فى البحر الأحمر، وتضمن هذه التسوية توافق الطرفين مصر والسعودية على احترام القانون الدولى، والحفاظ على علاقات جيدة بينهما تمكن كل طرف من أن يستثمر مياهه الإقليمية دون التباس فى الحقوق، كما تضمن هذه التسوية التزام السعودية بكل ضمانات حرية الملاحة فى خليج العقبة، وبما جاء فى اتفاقات كامب ديفيد متعلقاً بحجم ونوع القوات السعودية على أرض الجزيرتين، كما تضمن تعاون مصر والسعودية المشترك من أجل الحفاظ على أمن البحر الأحمر وإنشاء علاقات تعاون وسلام بين جميع دوله.

الخيار الثانى:

أن يتمسك البرلمان المصرى بحق مصر فى السيطرة على الجزيرتين تأسيساً على وجودها العسكرى فى الجزيرتين على امتداد 67 عاماً، ويتوقف عن تسليم الجزيرتين للسعودية بما يؤدى إلى توتر العلاقات بين البلدين، وربما يضطران إلى اللجوء إلى التحكيم الدولى أو الذهاب إلى محكمة العدل الدولية لتفصل فى نزاعهما فى ضوء الوثائق التاريخية والجغرافية المتاحة، وإحداثيات ترسيم خط المنتصف بين المياه الإقليمية المصرية والمياه السعودية.

الخيار الثالث:

هو الأصعب والأكثر تعقيداً، ومفاده أن تتوافق مصر والسعودية على الفصل بين حق ملكية الجزيرتين الذى هو ثابت للسعودية، وبين إدارة الجزيرتين التى يمكن أن تشارك فيها مصر، استناداً إلى أن الممر الملاحى الذى يجرى استخدامه هو الممر المحصور بين جزيرة تيران وشاطئ سيناء، لأنه يغوص إلى مساحة 270 متراً ويقع داخل مياه مصر الإقليمية، الأمر الذى يجعل من الصعوبة بمكان الفصل بين أمن مصر وأمن تيران، ويلزم الجانبين العمل المشترك لضمان إدارة الجزيرتين على نحو صحيح، وأياً كانت خلافات الجانبين فالأمر المؤكد أن التفاوض والتوافق هو خير طريق يمكن أن تسلكه مصر والسعودية للوصول إلى تسوية صحيحة تحفظ مصالحهما فى جزيرتى تيران وصنافير.

إننى لا أشك ذرة فى أننا نعيش فى مصر مرحلة تاريخية هى الأكثر طهارة وإنجازاً ووطنية، وبرغم عمليات التآمر التى تلاحق البلاد تباعاً لا تريد أن تترك لها برهة زمن تلتقط خلالها أنفاسها، تتلاحق إنجازات الجهد الوطنى، ترسم لوحة بديعة لشعب ظافر يحارب الإرهاب ويطارد فلوله، وينشر العمران فى كل ربوعه، يحفر لقناة السويس مسارين ويحول محيطها الجغرافى إلى محور رئيسى للتنمية يجذب الاستثمارات الوطنية والعربية والدولية، ويزيد مساحة الرقعة المنزرعة مليوناً ونصف المليون فدان جديدة أغلبها فى صعيد مصر، توسع فرص الرزق والعمل، ويجدد شبكة الطرق القومية فى أكبر عملية لتحديث البنية الأساسية، تشمل توسيع الموانئ والمعابر والمزلقانات والكبارى، كما تشمل إنشاء مراكز لوجستية توظف موقع مصر الجغرافى فى خدمة شعبها والعالم أجمع، ويسابق الزمن يبنى لشبابها أكبر مشروع إسكانى فى تاريخ مصر، لكن هذا الجهد الوطنى غير المسبوق لا يراكم ما يستحق من ارتفاع فى حجم الرضا العام فى أوساط الشباب والمثقفين وعديد من فئات الطبقة الوسطى وعدد من القانونيين وجماعات حقوق الإنسان، الذين يعتقدون أن البيروقراطية المصرية تفسد بتسلطها كل إنجاز حقيقى، وتجرده من روحه ومغزاه لأنها لا تريد أن تفهم أن المصريين قد تغيروا على نحو جذرى ولم يعد فى وسعهم قبول ما كانوا يقبلونه بالأمس، كما لم يعد فى الإمكان أن يفاجئهم الحكم بقرار يكون له وقع الصاعقة على الجميع مثل قرار ترسيم الحدود البحرية دون أن يكونوا طرفاً فى إقراره وقبوله، وما لم يتغير كل ذلك ليصبح الإنسان المصرى هو الهدف والمبتغى، فإن نسبة كبيرة من الجهد الوطنى تصبح مثل الحرث فى البحر، لا تجد أصداءها الحقيقية وسط الناس.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.