.
.
.
.

حوار مع شاب غاضب..!

مجدي الجلاد

نشر في: آخر تحديث:

قال لى: لن أنزل

قلت له: لا تنزل

قال: طبعاً.. إنت مع «النظام»

قلت: أنا مع الدولة.. وياريت ننسى كلمة «النظام»

قال: فيه «نظام» بيحكم البلد بالقمع والملاحقة

قلت: خليها «إدارة» تدير البلد فى ظروف قاسية

قال: عمرك كام؟!

قلت: 51 سنة وكام شهر

قال: يعنى ضِـعف عمرى.. وكام شهر

قلت: بس قلبى شباب.. روحى شباب.. وعقلى بلا ضفاف

قال: .. وأنا قلبى شاخ.. روحى مجروحة.. وعقلى «مشلول»

قلت: لما كنت فى سنك لم أسمح لقلبى أن يشيخ.. ولم أترك روحى لسكين تجرحها.. ولم أسلم عقلى لأحد يلعب فيه وبه..!

قال: أى كلام.. زمانكم كان غير زماننا.. إحنا عايشين فتنة كبيرة..!

قلت: الله عز وجل خلق الفتنة مع أبينا «آدم».. وإلا ما خرج من الجنة وما قتل قابيل أخاه هابيل

قال: أرجوك.. لا تأخذنى لهذه السكة.. خلينا فى موضوعنا

قلت: لك هذا.. تكلم.. وافتح قلبك

قال: عارف.. ليه أنا قررت عدم النزول فى المظاهرات

قلت: ليه.. يا معلم؟

قال غاضباً: لا تسخر منى

قلت: والله ما قصدى.. أنا بس بحاول أكلمك بلغتك

قال: هيه دى مشكلتكم.. فاهمينا غلط.. إحنا مش «عيال سيس» بتوع كافيهات.. وتفاهة!

قلت: حقك عليا.. كمل كلامك يا باشا

قال: هو ده مربط الفرس.. كلمة «باشا».. أنا مانزلتش علشان خايف أصطدم بـ«الباشا».. الباشا الضابط.. الباشا أمين الشرطة.. الباشا وكيل النيابة.. الباشا الحكومة.. وكمل إنت طابور الباشوات..!

قلت: عين العقل.. بس خليها «خايف على البلد كمان»..!

قال: لا عقل ولا بتاع.. أنا مش خايف يتقبض علىَّ زى المئات اللى «اتقفشوا» فجأة من القهاوى والبيوت والشوارع.. أنا خايف من عودة «الثأر والكراهية» بيننا وبين الأمن.. وخايف كمان على البلد.. ولسه فاكر جملتك فى أحد مقالاتك «مصر مناعتها ضعيفة.. ولن تتحمّل»..!

قلت: والله ما كتبتها «نفاقاً».. لو كنت منافقاً لأصبح وضعى حاجة تانية.. أنا مؤمن تماماً أن «بلدى فى عنق زجاجة.. إما تمر بسلام.. أو - لا قدر الله - تختفى من الخريطة».. والموت أهون علىَّ من الاحتمال الثانى.

قال: تمام.. إحنا كده متفقين فى المبدأ.. بس مختلفين فى حاجات كتيرة.

قلت: طبيعى.. نحن من جيلين متباعدين.. ونظرة كل منا للحياة مختلفة.

قال: لأ.. حضرتك كده بتختزل الموضوع فى مسألة «صراع الأجيال».. وأنا أراها «صراع مصالح».. وقبل أن أشرح لك أريدك أن تفتح قلبك.. ولا تغضب..!

قلت: مش هزعل.. إذا كنت لا أغضب ممن يسبنى بأهلى..!

قال: تمام.. شوف يا «باشا»..!

قاطعته: إيه «يا باشا» دى؟!

قال: بلاش «تدق».. أنتم تحبون هذه «الكلمة».. لأنكم تربيتم فى «عصر الباشوات»!

كتمت غيظى.. وقلت: «مش هدق».. كمل..!

قال: هناك فجوة واسعة بيننا.. أنتم أجيال تربت بـ«العصا والجزرة».. العصا لم تكن غليظة مثل «العصا» التى تواجهنا منذ سنوات.. لكنها كانت كافية لردع مواطن تربى فى «أرض الخوف».. و«الجزرة» كانت «متواضعة وتافهة».. غير أنها تضمن الولاء فى زمن «بلا طموحات»..!

قلت: لن أقاطعك.. رغم تحفظى على بعض كلامك..!

قال: خدنى زى ما أنا.. لأننى أعبر عن أبناء جيلى.. هذا ليس كلامى وحدى.. ولا قناعاتى وحدى.

التزمت الصمت.. واشتد انتباهى.

قال: أنت وأبى وكل أبناء جيلكم مازلتم تعيشون فى «أرض الخوف».. بين العصا والجزرة.. أحلامكم متواضعة.. فأقصى ما تحلمون به «الاستقرار المميت».. علشان كده تحملتم «مبارك» 30 سنة لأنه وضع مصر فى «الثلاجة».. وحين ثار ضده الشباب لم تفهموا أن «المسيرات» الضخمة يومى 25 و28 يناير كانت قادمة من المستقبل.. وليس ماضيكم المتخاذل..!

قلت: أتفق معك تماماً..!

قال: أنتم لا تفهمون معنى كلمة «المستقبل».. لأن «الأنظمة الحاكمة» كانت تربيكم على النظر تحت الأقدام.. «يوم بيوم».. وربنا يفرجها.. صح؟!

قلت: صح.. كمل..!

قال: إحنا جيل مختلف تربينا وسط العالم.. وليس فى «حظيرة مغلقة».. نتابع ونشاهد ونقرأ ونسمع أن ثمة مجتمعات تعيش معنا على الأرض.. أو هى فوق الأرض وفوق السحاب.. ونحن تحت الأرض..!

قلت: مش للدرجة دى.. مصر «برضو» أحسن من غيرها كتير..!

قال: شوفت.. إنت وقعت بلسانك.. أو بمعنى أصح تحدثت بلغتك وتكوينك «القناعة بالمقسوم وخلاص».. العصا والجزرة.. خايف طبعاً إن «الأجهزة» تعرف.. مجرد تعرف إنك لم تعلق على كلامى الرافض..!

قلت ضاحكاً: بلاش تدق على الواحدة..!

قال: ماشى يا «باشا».. أنا اللى شايف إننا خارج الدنيا.. وكمان بفكرك إنك كتبت قبل كده وقلت «إن المصريين عايشين.. لكن هناك فارق كبير بين العيشة والحياة».. صح؟!

قلت: صح ورحمة أمى وأبويا.. كمل يا عم..!

قال: إحنا بقه.. مش قانعين بحكاية «العيشة وخلاص».. إحنا عايزين «حياة».. يعنى كرامة.. احترام للمواطن.. فرصة عمل آدمية.. عدالة فى توزيع الفرص والثروة.. شفافية.. نزاهة.. تعليم.. معرفة.. واقتصاد «معقول» يغنينا عن «الاستدانة» وسؤال اللئيم..!

قلت: ومين قال إن ده مش حلم كل المصريين..!

قال: هيه دى «التيتة الكبيرة».. أنتم تحلمون دون أمل.. أو دون مصلحة مباشرة فى المستقبل.. أنتم ذاهبون.. ونحن قادمون.. فمن الذى ينبغى أن نسمعه أكثر؟!

قلت: الشباب طبعاً..!

قال: نحن لا يسمعنا أحد.. لا يحاورنا أحد.. لا يوظف طاقاتنا أحد..!

لم أعلق.. ولكنه انفعل أكثر:

- لا نريد ممارسة السياسة بطريقة الأحزاب الحالية.. نريدها حرية.. واختلافاً فى الرأى دون تخوين.. نريدها مظلة تحت حماية رئيس الدولة.. نريدها مشاركة «بجد».. لأننا أصحاب «المستقبل».. ولا يجب أن تفرضوا علينا «مستقبلنا» ثم ترحلوا..!

قلت: ولكنكم متعجلون.. أقدامكم لا تلمس الأرض.. تريدون التحليق فى السماء دون جهد أو عمل.. أو حتى معرفة بالواقع..!

قال: هذه «تهمة جاهزة» تريحون بها أنفسكم حين تواجهون غضبنا.. لأن المشكلة الحقيقية أن أحداً لم يحدد لنا الطريق.. والأهم أن أحداً لا يناقشنا.. ولا يحترم عقولنا وهو يختار الطريق..!

قلت: إذن.. المشكلة فى غياب جسور التواصل والنقاش العام..!

قال: بالضبط.. أنتم أجيال كانت تساق إلى مصير تختاره «السلطة».. ثم تدفعون جميعاً الثمن.. أما نحن فلا نقبل أن ندفع ثمن مصير لم نشارك فى اختياره.

قلت: وما العمل من وجهة نظرك؟

قال: أن تمتد «يد» حنونة للشباب.. ليس بالشعارات ولا «الأمن».. يد حقيقية تعيد الثقة للشاب باعتباره «صاحب البلد».. وليس ضيفاً عليه..

أومأتُ برأسى «متفقاً وموافقاً».. غير أنه أراد إنهاء حديثه.. قائلاً:

فى 25 إبريل نجح «الأمن» وفشلت «السياسة».. عارف ليه يا باشا؟!

قلت: ليه؟

قال: لأن من نزل معترضاً واجه «الأمن».. ومن لم ينزل خاف من «الأمن».. و«الأمن» استعرض قوته التى فاقت الحدث نفسه.. ورجال السياسة والدولة - رسمية وحزبية ونخبة وإعلام - جلسوا يتابعون «المعركة» بين شباب غاضب - رغم قلة عددهم - وأمن قوى له ثأر مع الشباب.. و«الأمن» ربما يحسم «معركة».. ولكنه لا يغلق «ملفاً»..!

قالها الشاب.. وانصرف.. وتركنى غارقاً فى بحر من الأسئلة الصعبة..!

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.