.
.
.
.

رأس المال الإعلامى

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

عرف العالم رأس المال الاقتصادى الذى يُستخدم فى الاستثمار والتنمية، ورأس المال الاجتماعى الذى يساعد المجتمعات على التطور، ورأس المال السياسى الذى يعطى الممارس للسياسة السمعة والقدرة على التأثير. ولكن نادراً ما يُذكر تعبير «رأس المال الإعلامى»، حتى لو كان الإعلام مثله مثل سائر أنواع رأس المال هو شكل من أشكال القوة والتأثير والتغيير داخل وخارج كيان سياسى ما، خاصة لو كان دولة. مصر هنا ليست استثناء من القاعدة العامة للدول والأمم، حيث تجرى التفاعلات بين أشكال مختلفة من رأس المال، وموضوعنا هنا الإعلام الذى بات الآن متهماً من السلطة التنفيذية بأنه يبث اليأس فى نفوس الناس، وينشر معلومات مغلوطة، وعاجز عن رؤية الإنجازات، والنصف الممتلئ من كوب الوطن. لم يعد الإعلام مدللاً باسم «السلطة الرابعة» كما كان ذائعاً من قبل فى دستور 1971، رغم أنه حتى فى ذلك الوقت كان متهما بذات التهم. وعندما سألت أحد الوزراء البارزين، فيما قبل عهد الثورات، عما إذا كان هناك سبب وحيد تقع عليه تبعة قيام الثورة الأولى فى يناير 2011، فكانت إجابته السريعة هى: نعم، الإعلام. ولم يختلف الحال بعد الثورة الأولى، ولا بعد الثورة الثانية التى جاءت بالإخوان إلى السلطة، ولا بعد الثورة الثالثة حتى وصلنا إلى التطبيق الكامل لخريطة الطريق، فقد ظل الإعلام متهما بتهم عديدة.

ولا توجد نية هنا للدفاع عن الإعلام، فلمثل هذا الأمر أهله فى النقابات والجمعيات والصحف والمحطات التليفزيونية والمواقع الإلكترونية والمدونات الشخصية. كل هؤلاء يمثلون رأس المال الإعلامى للدولة المصرية، ولكن جزءا مهما منه تملكه وتتحكم فيه السلطة التنفيذية، ومن ثَمَّ فإن لديها القدرة على إدارة هذه الثروة الكبيرة فيما يفيد الصالح العام، فحسبما هو منشور فى إحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، فإن اتحاد الإذاعة والتليفزيون يستحوذ على 24 محطة وشبكة إذاعات متخصصة وموجهة بلغات كثيرة، بلغ إجمالى ساعات بثها اليومى 484.5 فى عام 2014/2013. وفى نفس العام بلغ إجمالى ساعات البث التليفزيونى 145.5 يوميا محليا، أما القنوات الفضائية فكانت ساعات إرسالها يوميا 72 ساعة، وقنوات النيل المتخصصة 254 ساعة. يُضاف إلى القدرات الإعلامية للدولة المصرية 549 قصر ثقافة، يعمل بها 12397 موظفا، وكذلك ست دور صحف قومية تنتج العشرات من الصحف المسائية والصباحية، والمجلات الأسبوعية والشهرية، فضلا عن المراكز المتخصصة وإمكانيات الطباعة والتوزيع والإعلانات.

هذه الثروة الهائلة تشكل الشريحة الأكبر فى رأس المال الإعلامى فى مصر، وهى التى تستحوذ على القدر الأكبر من العاملين والقدرات الفنية فى مهنة الإعلام بأشكالها المختلفة، كما أنها تاريخيا قامت بدور الذود عن السلطة التنفيذية وشرح ما غمض من أعمالها فى الداخل والخارج. ولكن المعضلة التى يواجهها هذا الإعلام هى أن الأحوال المصرية على مدى السنوات الماضية لم تكن باعثة على السعادة سواء كان ذلك قبل أو بعد عهد الثورات. ودون الدخول فى تفاصيل كثيرة، فإن ملخص الحالة المصرية يقع فى موقع مصر من المؤشرات الكمية العالمية 2015/2014، فهى فى المكانة المائة بين 144 دولة فى مؤشر تحقيق المتطلبات الأساسية فى البنية التحتية، و158 بين 180 دولة فى مؤشر حرية الصحافة، و124 من 144 دولة فى الابتكار، و118 من 144 دولة فى كفاءة سوق السلع، و119 من 144 فى مؤشر التنافسية، و110 من 187 فى التنمية البشرية، و95 من 144 فى تطوير الأعمال.

ولما كان الإعلام مرسلا ومرسلا إليه ورسالة بينهما، فإن المهارة الفنية، والقدرة المهنية- على أهميتهما- لا تحلان معضلة واقع صعب حقيقته أن الجزء الممتلئ من كوب المياه الوطنى ليس كبيرا. ومع ذلك فإن التنويه به واجب مهنى، فضلا عن كونه فضيلة وطنية، ولكن ذلك ربما كان الواجب الأساسى الذى على الإعلام العام فى مصر أن يتحمله. والثابت تاريخيا، قديما وحديثا، أن الإعلام المصرى كله، عاما وخاصا، يقف فى أوقات الأزمات بشكل حاسم إلى جانب الدولة المصرية. وفيما عدا الأزمات الكبرى، فإن الأدوار الإعلامية تتمايز وتختلف، ولا يعود مفهوما كيف يمكن للسلطة التنفيذية أن يكون لديها كل هذا الرأسمال الإعلامى ولا تستخدمه الاستخدام الأمثل ليس فى موجات دعائية ليس لها أساس، وإنما استنادا إلى ما يجرى بالفعل من إنجازات. هنا فإنه حتى فى المنصات الإعلامية الحكومية، فإنها لا تكون فعالة إلا إذا كان صاحب الرسالة ناجحا فى إرسالها، وأن تكون الرسالة نفسها منطقية، ومتَّسقة، ومبرَّرة، ولا تتضارب مع رسائل سابقة، ولا تجرى فيها تقلبات بين استخدام عملة الدولار مرة والعملة المصرية فى مرات أخرى لكى يتحول التراجع إلى تقدم، والخسائر إلى أرباح.

فى وقت من الأوقات كانت وسائل الإعلام القومية- «أى التابعة للدولة وعمليا الحكومة»- تستحوذ على 95% من رأس المال الإعلامى. ورغم انتشار وسائل الإعلام الخاصة، وازدهار سوق الإعلام الإلكترونى، فإن الإعلام العام فى مصر لايزال أكبر بكثير مما تتخيل الدولة، ولكن الأمر المهم هو ماذا يقدم المرسِل، وكيف تكون الرسالة؟!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.