.
.
.
.

السادات غير التاريخ

زاهي حواس

نشر في: آخر تحديث:

لابد أن يتذكر كل مصرى وعربى الرئيس الراحل محمد أنور السادات، كلما مرت ذكرى حرب أكتوبر المجيدة وذكرى تحرير سيناء وعودة الأرض المصرية إلى المصريين؛ والتاريخ يصنعه الرجال، مقولة القصد منها أن المؤثرين فقط دون غيرهم هم من يصنعون التاريخ؛ والسادات لم يصنع تاريخاً فقط، وإنما غير مجرى التاريخ!

المتابع لتاريخ عصر السادات منذ توليه الحكم وحتى قبيل يوم السادس من أكتوبر كان يجزم بأن شيئاً لن يتغير وأن جيش مصر سيظل واقفاً غرباً أمام جيش إسرائيل المحتمى بخط بارليف شرقاً.. ولذلك كانت ملحمة العبور تغييراً لمجرى التاريخ وإيذاناً بأن صفحات لأحداث مغايرة ستظل تسكن قلب التاريخ المصرى.

كان السادات رئيساً داهية فى العلوم العسكرية؛ محنك فى العلوم السياسية والدبلوماسية؛ وضع أمامه هدفاً وحيداً وهو تحرير أرضه وإقرار سلام عادل.. ورغم كل المصاعب والمشكلات الداخلية والخارجية فلم يحد عن هدفه؛ كان يطمع فى أن يحطم لإسرائيل ساترها الترابى ليعلنها واضحة للعالم أن المصريين فقط وليس غيرهم من يمتلكون هذه الأرض ومن يشيدون عليها مثلما فعل فراعنة مصر عبر التاريخ.

لا أخفى أن من أسباب انبهارى وأنا شاب بشخصية السادات هو أنه كان من عشاق الأهرامات، وكانت له استراحة بسيطة مميزة يأتى إليها دوماً وهو يقود سيارته السيات الخضراء.

وما زلت أذكر يوم أن كنت أشرح لرجل المال الشهير دافيد روكفلر – صاحب شركات البترول وبنك تشيس مانهاتن- تاريخ هرم خوفو وفوجئت بالرئيس السادات يأتى من استراحته عندما أبلغوه أن الملياردير الشهير يزور وعائلته الأهرامات. جاء السادات وسلم على دافيد وقال له: «أنا سعيد يا دافيد أنك جئت لتزور الأهرامات وتعرف تاريخ مصر العظيم.. تمتع بزيارتك وأراك على العشاء بالمساء»! وانصرف السادات بعد أن صافحنى وأنا لا أكاد أصدق. يومها قال لى دافيد روكفلر هذا رئيس دولة عظيم يعرف قيمة دولته ويتصرف كرجل دولة يفعل المستحيل لبلده.

كان لقائى الثانى بالرئيس السادات عندما جاء إلى الأهرامات ومعه الرئيس الأمريكى جيمى كارتر وكنت أشرح لكارتر طريقة بناء الأهرامات وذكرت له أن هناك من الأقاويل أن عدد حجارة الهرم الأكبر تقدر بـ٢ مليون و٣٠٠ ألف حجر؛ ووجدت السادات يقول لكارتر أن هذا جزء بسيط لما يمكن أن يحققه الإنسان المصرى؛ وأن ما تسمعه الآن هو مجرد دش حضارى عن عظمة مصر! كنت أنظر إلى عينى السادات وهى تلمع وتتراقص بها معانى الفخر والعزة بكونه مصرياً.

نعم كان السادات يمتلك فكراً سابقاً لعصره وذكاء حاداً جعله فى مأزق دائم مع من حوله الذين انقسموا ما بين معارضين لعدم الفهم والاستيعاب؛ أو موافقين لخوفهم من معارضته.. والقليل من كان يفطن لرؤية السادات وتقديراته للمواقف والأمور. استطاع السادات أن يوظف تراث مصر الأثرى وكنوزها لكى يظل اسم مصر مسموعاً فى كل مكان بالعالم وكانت طريقته لفعل ذلك بسيطة للغاية..

أرسل المعارض الأثرية لتجوب العالم وتحكى عن عظمة مصر وحضارتها؛ كما عقد مؤتمراً صحفياً من داخل المتحف المصرى ليعلن للعالم أنه غير موافق على الطريقة التى يعرض بها المتحف المصرى أجساد أجدادنا العظماء (يقصد مومياوات الفراعنة)؛ ولذلك فقد قرر غلق قاعة المومياوات لحين البت فى إعادة دفنها مرة أخرى أو تغيير طريقة عرضها بالمتحف.. رحم الله السادات.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.