.
.
.
.

وليم، ذو القرون الأربعة

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

غادرت لندن وهي تحتفي بمرور أربعة قرون على وفاة شكسبير. ووصلت إلى نيويورك وهي تحتفي بحصاد دونالد ترامب مزيداً من الولايات: المسرح الشكسبيري يمتد عبر العصور وحول العالم: التراجيديا، ملونة بالسخرية، ممزوجة بالدعابة، مختلطة بالهزء، مختومة بالسوريالية. وردت "الكوميديا" الإلهية أو البشرية، في عناوين كثيرة: عند دانتي اليغييري. وبالزاك. ووليم ساروبان. وقبل شكسبير وبعده، كتبت التراجيديا والكوميديا، في اليونان وروما، وكانت هناك صور غنية بالشعر والمسرح. وما من أحد قبله أو بعده، كان عصراً بنفسه، فريداً بين جميع الافراد، أو جميع الحقب. لا أحد يُذكر إلى جانبه. هوغو يذكر معه شعراء القرن التاسع عشر، فيرلين وبودلير ورامبو. وايتمان يذكر معه مارسيل بروست. اليوت يذكر معه عزرا باوند. راسين مع كورناي وموليير. سرفانتس يذكر وحيداً في الأدب الاسباني، ولكن أيضاً بتحفة واحدة. غوته وشيللر وريلكه وهايني معاً. الجاهلية سبع معلقات أو عشر. المتنبي والعباسيون. العصر الأموي وهجَّاؤه الثلاثة وتعتعة الأخطل.

شاعر واحد و 36 مسرحية في "الحالة البشرية" كما سماها مالرو: في الثأر، في عنصرية اللون، في شهوة السلطة، في ضعف الأب وضعف الزوج، في البخل، في العفن السياسي، في المُلك وصراع الابناء، في المؤامرة، في الجهل، في الاقطاع وروميو وجولييت، في بروتوس والخيانة وخناجر الصدر.

لم يترك شيئاً لسواه منذ أربعة قرون. لا للإنكليز ولا للإسبان ولا للفرنسيين ولا للألمان. ما من أحد يستعار منه، كما يستعار منه: في الحروب، وفي الهزائم، وفي الجنازات، وفي الافراح، وفي المساخر، وفي يأس عطيل امام بشرته: "لا مفر من حتميات الحالة البشرية". كان يقول مواطنه ايتش جي ويلز "لا بالدوران حولها، ولا باختراقها من الداخل".

أبحر شكسبير في التاريخ وفي النفس البشرية مثل الكتّاب والشعراء، مع فارق أنه حوَّل المسرح الكبير إلى مسرح صغير. وفي حوارات هذا المسرح، نثر الأقوال والأمثال: حاول، للتسلية، أن تختصر سرفانتس، فإنه يختصر. حاول أن تقلّم موليير، حاول أن تخفف غوته. حاول أن "تحدِّث" هوميروس من أجل طلاب اليوم. حاول أن تبقي المتنبي ما جعل المعري يصفه بـ"معجز احمد". حاول أن تقلل شعر هوغو وتكتفي بعظمة الرواية والظلمة الإنسانية في "البؤساء".

من يحاول أن يستبدل سطراً بآخر في ذي القرون الأربعة؟ من حاول تقليده؟ في أي فصل تجد دونالد ترامب وانت ترى اميركا تنقلب من تراجيديا إلى أخرى: المثقف باراك أوباما يصبح الناخب الأول لـ"الفج" دونالد ترامب. وقفز الحواجز ماض بلا هوادة. وما بدا أنه مزحة بداية الحملة، يبدو الآن جدية نهاية السباق برمّته. فما قاله جميع المرشحين، وما قالته المرشحة الكبرى، بدا مألوفاً ورتيباً: هذا "الظاهرة" يلهب أميركا: حماسة وخوفاً وذهولاً. سرّه فجاجته ونزوع اهل هذا الزمان إلى الضحالة. في كل مكان.

خمسة ملايين ناخب انضموا، أخيراً، إلى الحزب الجمهوري، لكي يصوتوا لترامب، الذي قال أوباما، قبل اسابيع قليلة، إنه "يجب ألا يؤخذ على محمل الجد". إنها واحدة من "كوميديا الاخطاء" التي حُسبت على الرئيس الرابع والأربعين، الذي وصل الى البيت الأبيض مثل شخصية شكسبيرية مثيرة للتعاطف، وهو يغادره مثل شخصية ضائعة جديرة بالبحث العلمي، أو التاريخي. واحد "كوميديا الأخطاء" وواحد "العاصفة". في مكتبات نيويورك اليوم، التي هي الأغزر في العالم، كتاب جديد بعنوان "روزفلت، ستالين" عن الصراع والمراوغة والمواجهة بين عملاقي الحرب العالمية الثانية.

هل نرى يوماً كتاباً بعنوان "أوباما، بوتين"؟. بالطبع سوف نرى. ربما كان هناك الآن مؤرخ، أو أكثر. أو مراسل أو اكثر، يعد مثل هذا الكتاب كي يصدر مع خروج أوباما من البيت الأبيض. سوف يكون ذلك "كتاب المبررات" ، أو "دفتر الذرائع". ليس لماذا فعل، بل لماذا لم يفعل. وما، ومن، أدى إلى احتلال بوتين المكانة الأولى في العالم يتبعه رئيس أميركا. وما ومن ادى إلى أن يصبح سياسي مسرحي مثل أشخاص شكسبير الثانويين، على عتبة البيت الأبيض، يعد مواطنيه بأنه سوف يسترد لهم كرامتهم وكرامة أميركا، رافعاً شعار "أميركا أولاً".

وثمة من يقول هنا، ما بين المزاح والجد، أن الذي نصحه بهذا الشعار، مستشاره اللبناني وليد فارس، بعدما أصبح شعار "لبنان أولاً" محظوراً في لبنان. وليس هناك من يفكر في رفعه في أي حال. هناك اشياء كثيرة لها الأولوية قبله: المقعد أولاً، وقانون المقاعد اولاً، وإذا بقي شيء من لبنان نحوّله إلى نفط وغاز أولاً.

أول مرة جئت إلى نيويورك كانت خريف 1973، وكان حديث المدينة والأمم المتحدة حرب ذلك العام. وبعدها، كل عام تقريباً، كان الحديث "القضية الفلسطينية". وصار اسم مثل ادوارد سعيد معروفاً مثل جامعة كولومبيا، التي يدرّس فيها الأدب الانكليزي المقارن، الكرسي الذي سبقه إليه فيليب حتي بعقود. حديث المدينة الآن "داعش". منذ ان قرر بن لادن أن النضال الأمثل ضد الكفّار هو ضرب الأبراج المدنية بالطائرات المدنية. لم يعد مدرسو شكسبير من العرب يثيرون اهتمام أحد. وبما أن يوليوس قيصر الجديد، دونالد ترامب، لا يفرق بين مسلم وآخر، فسوف "يمنع دخول جميع المسلمين". "جئت. رأيت. غزوت" كما قال سلفه الروماني.

شكراً لرئيس ما تبقى. فهو بعكس المرشح الكاسح، يعلن أن بلاده سوف تستقبل "عشرة آلاف لاجىء سوري قبل نهاية العام". وشكراً مضاعفاً لفخامته أنه شكر أنغيلا ميركل على استقبالها مليون لاجىء. ولقد طاف في أوروبا يوزع النصائح والمدائح. وقال للبريطانيين: "لا تغادروا الوحدة الأوروبية". التواضع المأخوذ من قبيلة "اللوو" كما قالت عمته ذات يوم في مديح عجرفته، يجعله ينصح الامبراطورية بما عليها أن تفعل. ولا ينسى أن يمر بالملكة والدوق لتناول الغداء.

من أجمل ذكريات الصحافة يوم حضرت في نيروبي العام 1964 حفل الاستقلال. سنة ولادة أوباما. كان ذلك في حديقة صغيرة، يتصدرها جومو كينياتا حاملاً ذيل الحصان وهاتفاً بين حين وآخر: هارامبي! ثم ألقى دوق ادنبره الكلمة بادئاً بالقول "كلفتني الملكة". ومثل أي شرقي سطحي، شعرت بالإهانة: كيف لا يخجل هذا العملاق من التحدث باسم امرأة؟

ولد أوباما في أميركا بدل كينيا، حيث كان جده يملك قطيعاً كبيراً من الماعز، وعليه، يحمل لقب "الزعيم". وبعد 50 عاماً أصبح هو رئيس أميركا، واصبح ابن كينياتا رئيس كينيا. أقصى أمثلة التقدم، وأقصى أمثلة التخلف. ترى هل أخبره دوق ادنبره على الغداء أنه هو من القى خطاب الاستقلال لوطن والده، حسين أوباما؟ ماذا لو ولد حفيد الزعيم في أرض والده؟ المشكلة في الديموقراطية، وأحياناً المأساة. إنها توصل أحياناً أوباما وأحياناً دونالد ترامب. أحياناً رزفلت وأحياناً دبليو بوش. يجب ألا ننسى أبداً أن هتلر وصل بأكثر الطرق ديموقراطية. والأسبوع الماضي، انتصر اليمين النمسوي في أكثر الانتخابات نزاهة. وسوف تعود الفاشية إلى اوروبا بالطرق نفسها.

يعطى الناخب الخيار، فيختار على طريقة شكسبير: دراما على كوميديا على مسخرة على سخرية على هزء على مضحكة. ويا مرحباً بالانتخابات البلدية والقروية في سواحل لبنان وربوعه: لا تغيروا عاداتكم ايها الشعب العظيم. اقترع برفع اليد. ما بقا تحرز. تكون أو لا تكون، تجليطة من ذي القرون الأربعة.

نقلاً عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.