تحولات في أميركا اللاتينية

حازم صاغية
حازم صاغية
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

تشهد أميركا اللاتينية، منذ أقل من عامين، تحولات متسارعة تقودها في اتجاهات غامضة، وإن كان عنوانها العام والفضفاض يدور حول الانتقال من أنظمة يسارية إلى أخرى يمينية. والحال أن أميركا اللاتينية عرفت، مع انتهاء الحرب الباردة وإقلاع موجة الدمقرطة في التسعينيات، موجتين متعاقبتين: الأولى، قيام أنظمة تؤكّد على الحريات والاقتصادات المفتوحة تعبيراً عن البرَم المديد بأنظمة دولتية واستبدادية. والثانية تمثلت في نجاحات حققتها الأحزاب المحسوبة على اليسار مستفيدة من الإفقار الذي أحدثه التقشف الاقتصادي كما أملاه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

لكنْ منذ 2015 بدأت موجة ثالثة كانت الأرجنتين مسرحها. فللمرة الأولى منذ 1916، فاز بالمنصب الرئاسي مرشح يصنّف نفسه علناً محافظاً ويمينياً، هو رجل الأعمال ورئيس بلديّة بوينس أيريس موريسيو ماكري، مستفيداً من الأزمة الاقتصادية التي طحنت بلاده في السنوات الأخيرة وواعداً بتحرير الاقتصاد من قبضة الدولة.

لقد نجح ماكري في إلحاق الهزيمة الانتخابية بالمرشح البيروني دانيال سكيولي، لكنه نجح أيضاً في إنهاء عهود متعاقبة لرؤساء بيرونيين كان آخرهم نيستور كيرشنر وكريستينا فرنانديز.

ولا يفوق ما حصل في الأرجنتين أهميّة إلا ما هو حاصل حالياً في البرازيل، أهم بلدان أميركا اللاتينية قاطبة لجهة كونه أضخمها مساحة وعدداً، فضلاً عن كونه أيضاً قوة اقتصادية صاعدة وديمقراطية لـ200 مليون مواطن.

ففي 2002 وصل إلى الرئاسة المرشح الاشتراكي وزعيم الحزب العمالي «لولا دا سيلفا»، المعروف بـ«لولا»، الذي عمل على تحسين أوضاع الفقراء وتضييق الفجوة الهائلة بينهم وبين أغنياء البرازيل. وفي 2010، وبعد عهدين رئاسيين، حلت في الرئاسة المرشحة الاشتراكية المقربة من «لولا»، الرئيسة ديلما روسّيف لتكون أول امرأة تُنتخب للمنصب، ثم يُجدد لها في 2014.

لكنْ منذ ذلك الحين، وفي موازاة أزمة اقتصادية طاحنة، وروسّيف تواجه حملة قد تؤدي إلى عزلها في أي وقت، مدارها اتهامات بالفساد والتبديد المالي تطال حزبها العمالي الحاكم وقائده التاريخي «لولا».

أمّا في فنزويلا، فبدأ انكسار الشافيزية التي أمسكت بخناق البلد منذ انتخاب هوغو شافيز، صديق فيديل كاسترو، لرئاسة الدولة في 1998 وإطلاقه ما أسماه «الثورة البوليفارية» (نسبةً إلى المحرر الأميركي اللاتيني سيمون بوليفار الذي سميت بوليفيا تيمناً به).

ففي 2013، وبعد موت شافيز مصاباً بالسرطان، حل محله نائبه ورفيقه نيكولاس مادورو الذي انتُخب بفارق أصوات ضئيل في انتخابات شككت المعارضة بنزاهتها.

لكن انخفاض أسعار النفط ارتد ارتداداً سيئاً جداً على ذاك البلد الذي يُعتبر خامس مصدر للنفط في العالم، خصوصاً أنه ترافق مع أزمة جفاف حادة، ما أدى إلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة وفقدان لأبسط السلع الاستهلاكية في البلد.

وعلى العموم، تتكاثر اليوم التحليلات التي تتوقع تهديد النظام الشافيزي في أي وقت على يد حركة شعبية متعاظمة القوة يقابلها انفكاك بعض القاعدة الشافيزية عن نظام ذهب بعيداً في إفقارها.

وبالطبع لا يمكن إغفال ما يحصل في كوبا، جزيرة أميركا الوسطى المحاذية للولايات المتحدة: فمنذ تولي راؤول كاسترو الحكم، نيابة عن شقيقه الكهل فيديل، تتوالى خطوات التراجع عن السياسات الاشتراكية القديمة وعن العداء المعلن والمفتوح للجارة الشمالية الكبرى. وهذه التحولات إنما تترجم نفسها في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة، فضلاً عن الحرية الأكبر التي باتت تحظى بها وسائط التواصل الاجتماعي.

وفي السياق هذا يُرجّح للزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى كوبا أن تدفع هذه التوجهات بعيداً، لا في الجزيرة الصغيرة فحسب، بل على الأرجح في نصف الكرة الجنوبي كله.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط