رواية على مقاس غوارديولا

مراد البرهومي
مراد البرهومي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لعل البعض من المولعين بالأدب العربي يتذكر أو يتفكر قليلا بعضا من فصول رواية “عبث الأقدار” باكورة أعمال الروائي المصري الشهير نجيب محفوظ، تلك التي خطها في بداياته الأدبية وتحدث خلالها عن قصة نبوءة أحد العرافين زمن حكم الفراعنة.
تلك النبوءة كانت تشير إلى أنه لا مفر من حكم القدر، ولا مناص من الهروب من أحكامه مهما فعل البشر، رواية جميلة وموغلة في كسر رغبات العباد مهما علا شأنهم بين الناس، فالفرعون خوفو علم من عراف حكيم أن لا أحد من ذريته سيرثه على العرش، بل سيأتي طفل حديث العهد ابن أحد الكهنة سيكون هو الوريث القادم.

رفض فرعون مصر آنذاك النبوءة وأبى واستكبر وقاوم بشدة تلك القراءة الغريبة من العراف، فحاول قتل من كان يعتقد أنه سيرثه من بعده، وأعتقد أنه فعل ذلك، لكن القدر جعل ذلك الفرعون يسلّم بيده مقاليد الحكم لذلك الطفل الذي كبر وفرضه القدر وريثا شرعيا ووحيدا لحكم مصر.

هو عبث الأقدار بلا شك، فلا مفر ولا هروب من تفاصيله وسلطته وسطوته، وهذا الأمر عينه ينطبق على أحد أهم المدربين العالميين لكرة القدم خلال الظرف الراهن، إنه الأسباني جوزيب غوارديولا المدرب السابق لبرشلونة والمدرب الحالي لبايرن ميونيخ والمدرب المقبل لمانشستر سيتي.

فالقدر عاند غوارديولا وأبى أن يتوّجه من جديد بلقب دوري أبطال أوروبا بعد أن فاز بها في مناسبتين سابقا مع برشلونة، ربما هي نبوءة عراف مغمور قال سابقا إن المدرب الأسباني الذي عانق أعلى درجات النجاح خلال تجربته التدريبية الأولى مع برشلونة وتوج بـ14 لقبا بالتمام والكمال، لن يتمكن مجددا من الظفر بأمجد البطولات الأوروبية إلاّ عندما يعود مرة أخرى إلى أسبانيا، أو ربما هي “لعنة” الكاميروني سامويل إيتو الذي كانت علاقته سيئة للغاية في نهاية تجربته مع برشلونة.

فإيتو تحدى غوارديولا بأن يقدر على الظفر باللقب الأوروبي الغالي بعيدا عن معقل كاتالونيا البرشلوني، وشدد على أن المدرب الأسباني لن يعرف أيّ نجاح مع أيّ فريق آخر لا يضم ميسي.

وسواء كانت نبوءة العراف المغمور أو لعنة إيتو، فإن رواية عبث الأقدار تليق بغوارديولا، والحديث هنا قد يهم بالأساس تجربته مع بايرن ميونيخ التي شارفت على النهاية بعد ثلاثة مواسم.

فمن عبث الأقدار أن يخفق غوارديولا الذي قدم سنة 2013 إلى بايرن ميونيخ الفريق المتوج في الموسم السابق بكأس دوري الأبطال في تحقيق الهدف الذي سافر من أجله إلى ألمانيا، رغم أنه بلغ المربع الذهبي في ثلاث سنوات متتالية.

من عبث الأقدار أن يكون خروج بايرن ميونيخ دراميا بقيادة غوارديولا في كل مرة ضد أحد الفرق الأسبانية، ففي الموسم الأول كان البايرن مرشحا فوق العادة لتخطي عقبة ريال مدريد، لكن زملاء رونالدو كذّبوا كل التكهنات و”ثأروا” من “جلادهم” السابق الذي قاد برشلونة على امتداد أربع سنوات إلى الفوز بنتائج كبيرة على حساب الريال.

أما في الموسم الثاني فإن السقوط كان أكثر درامية وقسوة بما أنه جاء أمام “الحبيب” السابق، أي برشلونة الذي عبث بأحلام البايرن ومدربه غوارديولا بعد مردود خرافي من ميسي الذي رفض بمعية زملائه منح الهدية لقائدهم القديم.

لعبة القدر أو عبث الأقدار استمرت في الموسم الثالث وسقوط غوارديولا مع بايرن ميونيخ كان مرة أخرى أمام أحد الفرسان الأسبانية الثلاثة، وهو أتلتيكو مدريد الذي كذب بدوره كل التكهنات فـ”ثأر” من غوارديولا وأسقطه مع بايرن في معقله البافاري الحصين.

من عبث الأقدار أيضا أن تكون نهاية حلم غوارديولا مع الفريق الألماني ميونيخ هذا الموسم بمساهمة من ولي عهد البايرن ونجمه الأول توماس مولر، وهو أحبّ اللاعبين إلى قلب المدرب الأسباني، فضربة الجزاء التي أهدرها مولر ضد أتليتيكو مدريد قلبت كل المعطيات وأدت في نهاية المطاف إلى إقصاء البايرن وغوارديولا من المسابقة.

كأن الحدث يشبه بعضا من تفاصيل رواية الكاتب العالمي نجيب محفوظ عندما رغب وليّ العهد في تسديد طعنة غادرة أدت في نهاية المطاف إلى تسليم العرش إلى طفل “النبوءة”.

عبث الأقدار أحال غوارديولا المدرب الأسطوري والناجح مع برشلونة إلى مدرب فاشل مع بايرن ميونيخ، والشهادة هنا كانت من أحد أبناء الفريق البافاري وهو لوثر ماتيوس الذي وصف غوارديولا بالفاشل، بما أنه لم يقدر على إيصال الفريق إلى المجد الأوروبي المنشود.

ومع ذك، فإن الأمر الأخير الذي قد يعطي لعبث الأقدار قدرا أكبر من الأهمية في مسيرة غوارديولا هو تعاقده مع مانشستر سيتي بداية من الموسم المقبل، فرغم الفشل في التجربة الألمانية والاكتفاء بمجرد الحصول على الألقاب المحلية، إلاّ أن المدرب الأسباني بقي إلى اليوم المدرب الأغلى أجرا في العالم، وحتى لو تواصل فشله في التجربة الإنكليزية الموعودة فإن غوارديولا لن يخسر الكثير، فرصيده من الألقاب مع برشلونة يغنيه عن كل شيء، وهذا عين عبثية القدر.


*نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط