سيارة مندفعة إلى طريق مجهول

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تخيلوا سيناريو افتراضيا كالآتى: اللواء أبوبكر عبدالكريم مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة والإعلام أو أى مسئول أمنى كبير، يقوم بالاتصال بنقيب الصحفيين الأستاذ يحيى قلاش ويقول له: «إن هناك اثنين من الصحفيين هما عمرو بدر ومحمود السقا مطلوبان على ذمة قضية معينة، وأن هناك أمرا بضبطهما وإحضارهما للنيابة، وإن معلومات وزارة الداخلية تفيد بأنهما معتصمان فى مبنى نقابة الصحفيين، وإن الشرطة تريد فقط تطبيق وإنفاذ القانون، ولا تريد بأى حال من الأحوال الصدام مع الصحفيين، ولذلك هى تتمنى من النقابة أن تساعدها على تطبيق القانون بأقل قدر من الشوشرة».
لو أن هذا الكلام قد حدث، فأغلب الظن أن يحيى قلاش كان سيأخذ الزميلين بدر والسقا بنفسه أو عبر زميل بمجلس النقابة ومعهم المستشار القانونى إلى النيابة، التى تقع خلف نقابة الصحفيين أو إلى أى قسم للشرطة سواء كان قصر النيل أو شبرا الخيمة.
الذى حدث عكس ذلك تماما، عناصر من الأمن بالزى المدنى والرسمى ــ تقول الشرطة إن عددهم 8 أشخاص ويقول شهود عيان إنهم نحو ٢٥ شخصا ــ اقتحموا نقابة الصفحيين فى الثامنة والنصف من مساء الأحد الماضى، وقبضوا على الزميلين، وشتموا وسبوا كل من حاول اعتراض طريقهم، وقيل إنهم اعتدوا على بعض موظفى الأمن الإدارى بالنقابة.
هذا الأمر يحدث للمرة الأولى فى تاريخ نقابة الصحفيين التى تأسست قبل ٧٥ عاما، وتحتفل هذه الأيام بعيدها الماسى، وهى أقدم نقابة صحفية فى المنطقة العربية وقارة أفريقيا. وللمصادفة الغريبة تم الاقتحام فى ذكرى الاحتفال بيوم الصحافة العالمى، وصارت مصر خبرا فى كل الإعلام العالمى، والموضوع الأول على اجتماع عالمى مهم يعقد هذه الأيام فى المغرب.
القانون يلزم الشرطة بالحصول على إذن النائب العام لدخول نقابة الصحفيين وليس فقط إذن النيابة للقبض على أى زميل أو متهم. والقانون يلزم بوجود وكيل نيابة ونقيب الصحفيين خلال عملية الدخول للنقابة. كل ذلك لم يحدث ودخلت قوات الأمن النقابة، وكأنها تدخل مثلث المخدرات الشهير فى القليوبية أو أى بؤرة إرهابية.
تعالوا الآن نحسبها بالورقة والقلم أو حساب المكاسب والخسائر.
ربما يكون ما حدث قد أرضى غرور بعض المسئولين بأن هذا الأمر سيؤدب الصحفيين ويكسر شوكتهم. لكن للأسف فإن أصحاب هذا المنطق لا يفهمون ألف باء السياسة ولم يقرأوا التاريخ القريب والبعيد.
ربما هناك كثيرون من الصحفيين لا يتفقون مع أفكار أو مواقف عمرو بدر، لكن المؤكد أن غالبية الصحفيين صاروا الآن ضد وزارة الداخلية والحكومة، ليس فقط تعاطفا مع بدر والسقا، ولكن رفضا منهم لمحاولة الداخلية تركيعهم وإذلال نقابتهم.
الذى اتخذ هذا القرار الأحمق باقتحام نقابة الصحفيين مساء الأحد الماضى أساء بصورة لا يتخيلها إلى وزارته وإلى الحكومة والرئاسة وكل مؤسسات الدولة، وسيجعل الحكومة تدفع ثمنا باهظا ومجانيا لهذا الاقتحام، ويستحق جائزة نوبل وكل الجوائز العالمية فى الحماقة وسوء التقدير و«تلبيس البلد فى الحيط»!.
لا أعرف هل تشاورت وزارة الداخلية مع أى مؤسسة بالدولة قبل اتخاذ هذا القرار الخطير أم لا، وهل جرى تقدير موقف لهذه الخطوة قبل اتخاذها أم لا؟! الآن حدث ما حدث ووقعت الواقعة، وإذا كانت أجهزة الدولة لا تدرى خطورة ما حدث، فعلينا أن نقول لهم بأعلى صوت إن خسائركم المجانية تتوالى، ولو أن جماعة الإخوان وكل القوى الإرهابية والظلامية دفعت مليارات الدولارات للدعاية ضدكم، ما نجحوا بالطريقة التى فعلتموها ليلة الأحد الماضى!!.
أظن ــ وأتمنى أن أكون مخطئا ــ أن اقتحام النقابة سيكون فارقا بين مرحلتين، ويشبه إلى حد ما قرار محمد مرسى وجماعة الإخوان بإصدار الإعلان الدستورى فى ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢.
أتمنى أن يكون هناك تحرك عاجل من الحكومة باحتواء الموقف والاعتذار السريع عما حدث، وإقالة المسئول عن هذا القرار «وألا نطنش أو نصهين» على الأمر مثلما تم التعامل مع قضية أمناء الشرطة فى مستشفى المطرية التعليمى.
خطورة ما حدث مع الصحفيين يثبت للمرة المائة أن بعض فرامل سيارة الحكم لا تعمل بالكفاءة المطلوبة، والسيارة تندفع بسرعة شديدة فى طريق مجهول لا يعلمه إلا الله.. ربنا يستر.

*نقلا عن صحيفة "الشروق" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.