الجائع لا يكتب

ناجح إبراهيم
ناجح إبراهيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

«لا عقوبة على الجائع»، هكذا هتفت المحكمة الإيطالية العليا منذ أيام وهى تناشد العالم كله أن يلتزم بهذه القاعدة القانونية التى أطلقتها.

وترجع وقائع القضية إلى قصة رجل غير إيطالى كان جائعاً ومريضاً ودخل سوبر ماركت فلم يستطع مقاومة الجوع وإغراءات الأطعمة الرائعة، فالتهم بعضها، ووضع الآخر فى جيبه، فضبط متلبساً وقدم للمحكمة التى عاقبته فى درجتها الأولى بالسجن والغرامة، فلما استأنف الحكم أمام المحكمة العليا الإيطالية قضت ببراءته وأرست هذا المبدأ القانونى المهم.

ولو أن قضاة المحكمة العليا كانوا يعرفون عمر بن الخطاب وسيرته لكتبوا فى حيثيات حكمهم أن الفاروق عمر هو أول من أرسى هذه القاعدة العظيمة، فقد أتى إليه بأربعة غلمان (أو خدم، بلغة العصر) لحاطب بن أبى بلتعة، وكان يجيعهم ويبخل عليهم، فسرقوا ناقة لرجل من مزينة وأقروا لعمر بسرقتها.

وبعد أن كاد يأمر بإقامة الحد عليهم تراجع عن ذلك، وأخذ يوبّخ «حاطب»، قائلاً: أراك تجيعهم، والله لأغرمنك غرماً يشق عليك، ثم قال للمزينى الذى سُرقت منه الناقة: كم ثمنها؟ فقال: 400 دينار، فقال لحاطب: أعطه ثمانمائة، وأسقط الحد عن الأربعة.

ثم أرسى قاعدة قانونية وإنسانية عظيمة: أراكم تستعملونهم وتجيعونهم، حتى يضطر أحدهم لأكل الحرام.

لقد راعى الفقه الإسلامى هذه القاعدة التى أرستها المحكمة الإيطالية حينما عطل عمر بن الخطاب حد السرقة فى عام الرمادة صيانة للحد نفسه من العبث، أو أن يُطبّق دون اكتمال شروطه، فيضر الحدود من حيث أراد نفعها، وحماية للإنسان الذى هو مناط كل الشرائع التى جاءت عدلاً ورحمةً وشفقة كلها. وهذا هو الفرق بين فقه عمر بن الخطاب العظيم وفكر «داعش» المتعفن الذى لا يعرف عن حدود الشريعة إلا ما يسىء إليها ويدمرها ويجعلها مكروهة لدى الناس، فالشريعة نزلت أساساً لرعاية الإنسانية وليس لإهدار قيمها أو القسوة عليها.

وقد عيّن «الفاروق» أحد ولاته على الأمصار، وسأله: ماذا تفعل إذا جاءك سارق؟ قال: أقطع يده، فقال عمر: فإن جاءنى من عندك أحد رعاياك يشكو أنه ليست له حرفة أو صناعة ولا يجد ما يتقوت به سأقطع أنا يدك.

واليوم بدأ الغرب يعرف أهمية العدل الاجتماعى الذى هو أساس الإسلام والأديان، فهناك ظاهرة طيبة فى إيطاليا، حيث يذهب الرجل إلى المقهى فيطلب «كوباً من القهوة وثلاثة معلقين»، أو آخر يطلب «كوباً من اللبن وأربعة معلقين»، وكان غير الإيطاليين يُعجبون من ذلك حتى أدركوا أن الرجل يطلب كوباً من اللبن ليشربه ويتبرّع بثمن أربعة أكواب أخرى للفقراء الذين يأتون للمقهى، ولا يملكون ثمنها، فيشربونها مجاناً.

إن المنتَج الحضارى الجيد الذى قدّمه عمر بن الخطاب أو غيره من الغرب أو الشرق، ومن كل الحضارات هو ملك للبشرية كلها، وعلينا جميعاً أن نستلهم ونقتبس كل المنتجات الحضارية الجيدة، مهما كان صاحبها وموطنها وزمانها، ومهما كان اتفاقنا أو اختلافنا مع أصحابها.

وتنافس المنتجات الحضارية الجيدة يُعد محفزات لارتقاء العقل البشرى عامة، فالإنسانية كلها جسد واحد يستفيد بعضها من بعض، ومن رصيد الخبرة والتجربة على مر العصور للعلماء والفضلاء والحكماء. فى يوم من الأيام كنت أرأس تحرير أحد المواقع الإسلامية، وكان الموقع يُمثل طفرة فكرية وتحريرية بالنسبة لى، فقد كان باللغات العربية والإنجليزية والأوردية، لكنه كان ضعيف الإمكانيات المالية، وكنت أود أن يكتب فيه كل تلاميذى النابهين وكنت أؤمل أن أصنع من كل واحد منهم مفكراً مستقلاً جيداً.

فطلبت من أحدهم أن يكتب معنا فى الموقع، وكان قد خرج من المعتقل منذ فترة، ولا يملك الموقع أن يعطيه مكافأة على كتاباته، فقال لى: لا أستطيع الكتابة الآن، فقلت له: لماذا؟ فأنت موهوب وسيكون لك مستقبل باهر، فإذا به يفاجئنى بقوله: «الجائع لا يكتب».

تأملت هذه الكلمة العبقرية حقاً، كيف يكتب العالم والمفكر أو الأديب وهو لا يجد قوت يومه، وكيف يكتب وابنه يطالبه بأبسط رغباته فلا يجيبه، كيف يكتب وهو فى قمة الحرج من زوجته وهو يتهرب بالعذر تلو الآخر من بعض ضرورات الحياة، ومن الحكايات التى آلمتنى كثيراً فى حياة «العقاد» حينما طلب من أحد أصدقائه أن ينقذه بأى مبلغ، لأنه ليس فى بيته رغيف خبز، وطلب منه ألا يُعرف أحداً بذلك، وكان وقتها كاتب الشرق الأول.

«الجائع لا يكتب» و«الجائع لا يصلح كمعلم ومدرس»، و«الجائع لا يصلح قاضياً»، و«الجائع يفقد الانتماء إلى أسرته ووطنه»، وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد حرمت أن يقضى القاضى، وهو جوعان لساعة، فكيف إذا كان جائعاً باستمرار.

فـ«الأب الجائع يفقد قوامته»، و«المدرس الجائع يفقد هيبته وكرامته وقدوته»، و«القاضى الجائع يفقد عدله ورحمته وهيبته واتزانه»، والصحفى الذى يذله رئيس التحرير لحاجته إلى شهادة التدريب فيعطيه 400 جنيه شهرياً، رغم أنه يقدم تقارير وأخباراً وحوارات جيدة، هل ستكون له كرامة واستقلالية أو كلمة صادقة يكتبها؟

و«الدول التى تجوع تفقد استقلال قرارها وكرامتها»، فالدول التى لا تُنتج طعامها ودواءها وغذاءها تكون مسلوبة الإرادة، وصدق الشيخ الشعراوى فى قولته «إذا كانت اللقمة من فأسك، فستكون الكلمة من رأسك».

والمواطن الجائع يفقد كل امتنانه واحترامه لحكومته ومعظم انتمائه إلى وطنه الذى لم يسد جوعته.

والابن الجائع يفقد معظم احترامه لأبيه، والزوجة الجائعة تفقد معظم احترامها وتقديرها وطاعتها لزوجها، فترى كم جائعاً اليوم فى بلاد العرب، اللهم استر عوراتنا ووسّع أرزاقنا.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط