.
.
.
.

الصحفيون والأمن والدولة!

محمد نور فرحات

نشر في: آخر تحديث:

السؤال الأكثر أهمية فى موضوع الأزمة التى نشبت بين نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية يتعلق بمنهج كافة الأطراف فى التعامل مع الأزمة وليس بتحديد من المصيب ومن المخطئ.
فى العمل العام دائما تختلف الرؤى حول الخطأ والصواب، والعثرات فى تناول الأمور العامة واردة، ولكن الأهم هو كيف يتعامل أطراف الأزمة معها وكيف يديرون خلافاتهم وما هى القيم الحاكمة لكل ذلك؟

أذكر للقارئ واقعة شهدتها شخصيًّا عن كيفية تعامل وزارة الداخلية مع الاحتجاجات الجماهيرية فى عصر يسمونه عصر البطش بالحريات أيام نظام يوليو.

فى أواخر الستينيات المنصرمة جاء وزير سياسى للداخلية هو المرحوم شعراوى جمعة، وهو بالمناسبة لم يكن ضابطا للشرطة بل من رجال القوات المسلحة. كان فضلا عن ذلك كادرا فى المستويات العليا للتنظيم السياسى الرسمى الوحيد ومقررا للتنظيم الطليعى. فى هذا الوقت حدث تذمر بين جنود قوات الأمن فى الجيزة احتجاجًا على أوضاعهم المعيشية. كان من الممكن والمألوف فى ذلك الوقت أن يجرى القبض على زعماء التمرد واعتقالهم أو تقديمهم للمحاكمة بتهم متعارف عليها من أيام البوليس السياسى مثل محاولة قلب نظام الحكم، أو تكدير السلم العام أو ترويج الإشاعات المغرضة، أو مقاومة السلطات، أو، أو.. وهى التهم التى ما زالت توجه لكل من يجرؤ على الجهر بالصياح فى وجه السلطة.

كنت أجلس فى شرفة مطلة على مشهد تذمر الجنود. فوجئت بالوزير شعراوى جمعة وقد حضر إلى المعسكر بسيارة جيب بدون حراسة تقريبا، ودخل إلى جموع المتذمرين الجنود واستمع إلى هتافاتهم، ثم اعتلى أكتاف الجنود وأخذ يردد نفس الهتافات وهم يرددونها وراءه. ثم أصدر قراراته بتحسين أحوالهم المعيشية. وهدأت الأمور.

قريباً من ذلك تعامل الوزير أحمد رشدى قبل إقالته إثر أحداث الأمن المركزى، والوزير حسن أبو باشا، مع أزمات مماثلة. هؤلاء هم آخر الوزراء السياسيين فى الداخلية. وأقصد بالوزراء السياسيين هؤلاء الذين يرون أن للأمن هدف احترام القانون وإشاعة السكينة الاجتماعية وأن له أدوات رشيدة آخرها العنف لتحقيق هذه الأهداف.

طبعا لن أحدثكم عن زكريا محيى الدين فى بدايات عهد يوليو الذى أنشأ جهاز مخابرات مصر الحديث، ولا عن وزراء داخلية ما قبل الثورة مثل فؤاد سراج الدين وزير الداخلية المدنى فى حكومة الوفد. ومن قبله يحيى باشا إبراهيم وسعد زغلول وعدلى يكن ومصطفى النحاس، فتلك عهود مضت وولّت ولا ينتظر أن تعود. ولكن النظرة المنصفة للتاريخ تؤكد أن وزراء الداخلية من خارج جهاز الشرطة كانوا بمنأى عن المصالح الضيقة لأفراده وعلى قدرة على النظرة السياسية النقدية للجهاز والإقدام بخطى ثابتة نحو إصلاحه دون تحيزات فئوية.

ماذا عن الصحافة؟ منذ الخمسينيات كانت الصحافة دائما بالنسبة للدولة صديقا حميماً، أو عدوًّا ما من صداقته بد. الدولة تعطيها من طرف اللسان حلاوة وتروغ منها كما يروغ الثعلب. الدولة تعاملها بمنطق العصا والجزرة. حتى روغان الثعالب كفت عنه الدولة مؤخرا، إذ هبّت نائبة فى البرلمان الحالى تطالب بذبح الصحفيين (رغم أنها لا تمثل دائرة المذبح) وتشير ببيدها بعلامة الذبح.

لجأت الدولة إلى تأميم الصحافة تحت مسمى التنظيم. ثم سمحت بالصحف الحزبية والصحف الخاصة وصحف رجال الأعمال. بل استحدثت الداخلية ما سمته «الإعلام الأمنى أو الأمن الإعلامى». ومن لا تقدر الدولة على شرائه من أهل الرأى تظهر له العصا لمن عصا، ومن لا يزعه سيف السلطان تغلق فى وجهه الأبواب وتصم الآذان. لا أريد أن أخوض فى تفاصيل قد تغضب الكثيرين، ولكن ما فعلته العقلية الأمنية فى الصحافه فعلته فى الجامعات وأجهزة الإدارة وكثير من أجهزة الدولة وصولا لمجلسها التشريعى. والنتيجة كما نشهد (أشباه دولة وفى قول آخر: أشلاء دولة).

الواقعة التى حدثت مع نقابة الصحفيين كان يمكن التعامل معها ببساطة وسلاسة لو كان من يتعاملون معها يتمتعون بقدر محدود من الأفق السياسى الذى يسميه الغربيون INTELIGENCE أى ذكاء. الأمن ليس مجرد استعراض عضلات وتباهٍ بالقوة والهراوات، بل إعمال للعقل والخبرة والقدرة على تفكيك المواقف المركبة.

الذى حدث فى أزمة نقابة الصحفيين الأخيرة يعلمه الجميع، وأعلمه شخصيا لعضويتى بالمجلس الأعلى للصحافة. اعتصم صحفيان بالنقابة بعد اتهامهما بمجموعة من التهم لمشاركتهما فى الاحتجاجات ضد التنازل عن الجزيرتين. التهم معروفة وجاهزة وتبدأ من محاولة قلب نظام الحكم حتى نشر الإشاعات المغرضة، حتى تكدير السلم العام، حتى مقاومة السلطات وأخفها مخالفة قانون التظاهر.

درجت النيابة على إصدار قرارات القبض والتفتيش بناء على تحريات الشرطة. تحريات الشرطة لا تصلح وحدها دليلا وفقا لأحكام النقض المتواترة. نتحدث بصراحة. لا أحد فى مصر اليوم يصدق تحريات الشرطة. وهذه التحريات تكيل الاتهامات (كيفما اتفق) لمن يراد البطش بهم. النيابة تأخذ هذه التحريات أمرا مسلما دون تمحيص ودون سؤال محرر المحضر، وتصدر أوامرها بالقبض على الناس وتفتيشهم بل تقديمهم للمحاكمة استنادا لهذه التحريات وحدها، رغم أن القانون يشترط توافر دلائل جدية على ارتكاب جريمة معاقب عليها بالحبس. هذا بالضبط هو نوع الممارسات التى يطلق عليها فى فقه السياسة اسم (الدولة البوليسية)، بمعنى أن البوليس هو الذى يحكم الدولة متسلحا بالقوة ومتحررا من القانون.

لجأ الشابان الصحفيان إلى نقابتهما ملاذا، ليس هروبا من أمر الضبط والإحضار، ولكن حتى يتم تسليمهما بمعرفة النقابة للنيابة فى أول يوم عمل بعد إجازات عيد العمال وشم النسيم. بقاؤهما فى حوزة الشرطة فى موسم الإجازات دون عرض على النيابة أمر يثير لديهما الفزع. اتصل النقيب بأجهزة الأمن (والعهدة على روايته) فتم إرجاؤه إلى ما بعد الإجازات. بعد انتهاء اتصاله الهاتفى ببضع ساعات دخلت قوات الشرطة إلى النقابة للقبض على الشابين. إذن سارعت دوائر معينة فى الشرطة لإجهاض نتئج اتصالات النقيب والتعجيل بالقبض على الشابين. لماذا هذه العجلة وهناك العديد من الأحكام القضائية النهائية بالحبس فى قضايا جنائية تسقط بمضى المدة لعدم التنفيذ؟ هل كان مطلوبا تأديب النقابة وإهانتها؟ الله أعلم. للصحفيين تاريخ غير مطمئن مع الشرطة كما لغيرهم من فئات المجتمع. منهم من تمّ سحلهم فى الطرقات، ومنهم من سقط صريعا ومنهم العشرات داخل أقبية السجون. ومنهم من تعرض لاعتداءات الجعيدية والزعر والحرافيش الذين تجندهم الشرطة وتسميهم بالمواطنين الشرفاء. معيار الشرف أن تأتمر بأوامر الباشا.

ما عدد رجال الشرطة الذين دخلوا النقابة؟ اختلفت الروايات: من أربعة إلى الأربعين شرطيا؟ هل حدث اقتحام للنقابة بالقوة؟ اختلفت وتضاربت الروايات وصدرت أقوال تم العدول عنها. هل تم عدول موظفى أمن النقابة تحت ضغوط أمنية؟ لا أحد يصرح. هل جرى تفتيش النقابة للبحث عن المطلوبين؟ التفتيش قانونا هو البحث عن المكنون الخفى للسر فى الأشخاص والأماكن لضبط أدلة الجريمة. القانون يحظر تفتيش النقابة إلا بحضور عضو النيابة العامة وممثل النقابة. هل جرى التفتيش على غير مقتضى القانون؟ ليست هناك إجابة.

بيان النيابة العامة الذى صدر فى خضم الأزمة هو بيان أقل ما يقال عنه إنه بيان تهديدى انحاز تماما لوزارة الداخلية وقام بالتلويح بتوجيه اتهامات للنقيب. ولكنه لم يجب عن أى من الأسئلة السابقة. لم يكن ينقص هذا البيان إلا أن يكون ممهورا بختم الداخلية مع الاحترام للهيئتين الموقرتين. النيابة عندما تمارس التحقيق يجب أن تحكمها تقاليد القضاء. والقضاء لا يتهم ولا يهدد ولا ينحاز.

ما هو البديل الرشيد للتعامل مع الأزمة؟ لو كان أى مسؤول فى الأمن أو فى النيابة العامة قد اتصل بالنقيب وطلب منه تسليم المتهمين بعد انتهاء الإجازات، أو كان قد تم التفتيش بصحبة عضو النيابة لما قامت الأزمة. هل يمس كرامة الدولة أن تتعامل مع مؤسسات المجتمع التزامًا بالقانون والأخلاق؟ سياسة استعراض العضلات القوية لم تنفع ولن تنفع أحدا. قليل من العقل والبعد عن خيلاء القوة يصلح الوطن.

جبهة ما يسمى «تصحيح المسار» (وكثير منهم أصدقاء شخصيون لى) تسببت فى اعوجاج المسار ولىّ عنق الحقائق أكثر مما مهدت لتصحيح المسار. لا أتصور ولاءً لصاحب القلم إلا للحرية. لم ينفع ذهب المعز وسيفه أحدًا فى الماضى حتى ينفع اليوم. تصفية الحسابات المهنية يجب ألا تكون على حساب شرف المهنة.

أدعو مجلس النواب (بعد استبعاد من تحدثوا عن الذبح ومن باعوا أنفسهم لكل سلطان) لتشكيل لجنة تقصى حقائق للإجابة عن التساؤلات السابقة. فمجتمعات عصرنا لا تدار بمنطق القوة التى ترتد إلى نحور أصحابها. ولا يصيبنى الملل من الدعوة إلى إعادة مراجعة نهج الداخلية ليصبح نهج الالتزام بالقانون لا نهج تنفيذ التعليمات ولو خالفت القانون. ولا أيأس من الدعوة إلى جعل قيم الحرية واحترام المواطن متغلغلة فى صميم التربية الأمنية والقضائية. ولن أتوقف عن الدعوة لمراجعة قوانيننا العقابية لرفع التناقض بينها وبين الدستور. ولا أملّ من الدعوة إلى إنشاء أكاديمية للقضاء يلتحق بها المتفوقون من خريجى كليات الحقوق الخاضعة لقانون تنظيم الجامعات وحدهم دون غيرهم مع استبعاد من تعلموا القانون عرضا وتربوا تربية شرطية أو تربية تؤهلهم للوعظ الدينى وحده.

فهل تجاوزت القول أو شطح بى الخيال؟

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.