.
.
.
.

الإزالة لا تكفى.. بل العقوبة!

عباس الطرابيلي

نشر في: آخر تحديث:

الرئيس السيسى حسم قضية الاعتداء على أراضى الدولة.. بأن أعطى مهلة واضحة ومحددة للجهات الرسمية بأن تتم إزالة التعديات على أملاك الدولة خلال شهر واحد لا أكثر.. لأن بعض الجهات ترى أن الظروف الأمنية لا تسمح بتنفيذ قرارات الإزالة، إما لعدم توافر القوات اللازمة للتنفيذ.. أو خشية من رد فعل جماهيرى شديد، خصوصاً أن التعديات معظمها فى مناطق شعبية.. والناس، كالعادة، يتعاطفون مع بعضهم.. ويرون أن السلطة ظالمة.. لذلك تخشى السلطات أى موجات شعبية ضد قرارات الإزالة.. بل إن بعضهم يقولون: يعنى السلطة ماتجيش إلا على الغلبان.. طيب مايروحوا للمعتدين الكبار!! وهذا من منطق، أنا وابن عمى على الغريب.

ولكن أن تقرر الدولة - ومن أعلى سلطة فيها - ضرورة إزالة هذه التعديات، وفى هذه المدة الزمنية القصيرة.. فهذا إعلان عن تصميم السلطة على استعادة الدولة لهيبتها، مهما كان الثمن، أى هو الحسم، المصحوب بالحزم لأن ذلك يعنى نهاية عصر مال الحكومة السايب.. وقلنا زمان إن المال السايب يعلم السرقة.. وعندما غفلت عيون الدولة عن حماية أملاكها.. هنا زادت عمليات التعدى على هذا المال العام.. وبالذات فى الفترة الأخيرة من حكم الرئيس مبارك، خوفاً من أن تحرك السلطة يؤدى إلى زيادة الغضب الجماهيرى عليها.. ثم زاد تراخى الدولة من يناير 2011، بل غياب السلطة بالكامل.. ولذلك فإن حالات التعدى على المال العام - بكل صوره - فى السنوات الخمس الأخيرة زادت أضعاف كل التعديات التى وقعت طوال 50 عاماً قبلها.

وكان الشرفاء يشتكون من تقصير جهاز تنفيذ الأحكام القضائية.. الذى كان يتطلب موافقة جهات الأمن على التحرك للإزالة.. وهذه كانت تتعلل بأن الظروف الأمنية لا تسمح بالتنفيذ.. وهذا كله - وغيره - جعل المعتدين يغالون فى اعتداءاتهم، معتمدين على ضعف السلطة.. وعلى حالة اللاأمن التى كانت سائدة.. والعياذ بالله.

ولكن للقضية أكثر من وجه.. لعل أخطرها هو ضعف بعض الأجهزة المحلية بالذات لأن «بعضهم» يستفيد من هذه التعديات مالياً وعقارياً، أى حكايات «الدرج الشمال» لم تعد تكفى لتلقى الرشاوى.. يعنى يدفع لى المعتدى 100 أفضل من أن يدفع للحكومة 100 ألف، وهو نفس منطق عساكر المرور 5 جنيهات لى - ولأسرتى - أفضل من أن يدفع المخالف 50 جنيهاً للحكومة.

وليس سراً أن هذه التعديات زادت بسبب تراخى الأجهزة المحلية عن التحرك الحقيقى.. إذ يكتفى المسؤول هنا بتحرير محضر بالمخالفة.. هذا إذا أراد.. ولكنه يتغاضى حتى عن تحرير المخالفة.. طالما الطرف الآخر يدفع، بل يرى العملية فى صالحه تماماً طالما استمرت المخالفة، لتظل مصدراً للاسترزاق من المتعدى!!، يعنى تصبح الإتاوة مصدراً مستمراً للرشاوى!!

من هنا أرى ألا تكتفى السلطة هنا بمجرد إزالة التعدى.. ولكن أيضاً بضرورة محاسبة ومعاقبة الذين رأوا المخالفات، وتركوها تكبر وتتضخم حتى أصبحت أبراجاً وعمارات.. بل أحياءً عشوائية كاملة!!، ويجب فتح كل الملفات، حتى مع المسؤولين عنها إن كانوا قد تركوا العمل أو أحيلوا إلى المعاش، بل يجب مطاردتهم، حتى لا يفلتوا بما حصلوا عليه، فهذه جرائم يجب ألا تسقط ولو بالوفاة، ولابد - بالتالى - من تنفيذ المبدأ القانونى العادل: من أين لك هذا؟

ثم إن الإزالة وحدها لا تكفى.. بل لابد من الحبس والغرامة المالية.. التى تصل إلى حد المصادرة، لأننا نبحث هنا عن «عقوبة رادعة» تقول للكل «لن يفلت أحد بما حصل» ولن يستفيد واحد مما وقع.. حتى نقطع «عرق.. ونسيح دمه» لكى نوقف هذا المسلسل الذى استشرى فى كل حياتنا.. ويجب - فى حكاية بناء مساكن بالتعدى على أرض الدولة - ألا تسقط العقوبة عمن ارتكبها.. لأنه باع شقق العمارة.. أى باع كل الموقع للمحتاجين للشقق.. وأن تطارد الدولة «مقاولى» هذه المخالفات.. حتى لا تتكرر جرائمهم.. ويفلتوا بذلك من العقوبات.. وهنا قد نفكر أيضاً فى معاقبة الذين اشتروا.. لأنهم لم يكلفوا أنفسهم مجرد السؤال عن سلامة إجراءات تلك الأرض وأيضاً سلامة تراخيص البناء.

■ ■ بهذه الوسائل نردع كل المعتدين السابقين.. ونمنع أى جرائم أخرى بالتعدى.. وبالطبع يجب أن تكون تكاليف الإزالة.. وإعادة الوضع إلى ما كان عليه.. على حساب المعتدى.. وأيضاً على حساب الذى رأى الاعتداء.. وسكت عليه.. لغرض فى نفس يعقوب.

■ ■ وأرى ذلك بداية صحيحة لمحاربة الفساد الرهيب الذى استشرى فى كل الأجهزة المحلية، التى يدفع رجالها «خلو رجل» ليحصلوا على المواقع الأكثر ربحية.. ومنفعة!!

*نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.