العوانس: قضية آمن قومى!

عزت السعدني
عزت السعدني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

جانا علي سَهْوَة..

وأبويا رحَّب بيه..

قدمت له القهوة..

وقِمْت عيني فيه ـ بكسر القاف وسكون الميم، ـ يعني بصيت عليه من تحت لتحت!

لقيته شكله ظريف..

لطيف ودمه خفيف..

وقلبي من جوه..

نده وقال هوَّ..

هوَّ اللي باتمناه هوَّه

تلك أبيات أجمل أغنية شعبية غنتها المبدعة شريفة فاضل.. عندما طرق باب بيتها عريس أعجبها وطرق بقوة في نفس الوقت باب قلبها.. فانفتح علي مصراعيه..

كان ذلك أيها السادة في زمن ذهب ومضي شبعنا فيه فنا وغناء ودلعا.. ويبدو أنه لن يعود.. بعد أن هل علينا زمان «عنوسة البنات» الذي فرد طائره الأسود جناحيه علي شجرة العائلة المصرية.. ولم يعد هناك زواج ولا أفراح ولا زغاريد ولا زينات في الحارة وفي القلب.. ولا يحزنون.. بعد أن أعلن خبراء الجهاز المركزي للاحصاء في آخر تقرير لهم أن عدد البنات اللاتي فاتهن قطار الزواج قد وصل إلي نسبة تفوق الـ 70% من عدد البنات اللاتي دخلن بالفعل سن الزواج.. حتي إن مجلس النواب بجلالة قدره.. وقد هاله ما جري قد أدرج قبل أيام قضية عنوسة البنات ضمن استجواباته العاجلة في أولي جلساته.. باعتبارها قد أصبحت بالفعل قضية أمن قومي والتسمية ليست لي.. ولكنها للنواب أنفسهم..

فقد أعلن النائب كمال عامر رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالمجلس قبل أيام.. أن العزوف عن الزواج.. وزيادة نسبة العنوسة بين البنات وازدياد أعداد المتخلفات عن قطار الزواج.. قد أصبحت أمرا مقلقا للغاية.. تمهيدا لسن تشريعات جديدة للقضاء عليها.. باعتبارها قد أصبحت بالفعل.. قضية أمن قومي!

ورأينا نحن أصحاب الجباه العالية والرؤي المستنيرة ـ كما يطلقون علينا ـ أن نذهب إلي اجتماع عاجل حول المائدة المستديرة.. في محاولة منا للخروج من مأزق العنوسة هذا الذي ظهر لنا في «الضلمة» كعفريت العلبة.. وقال لنا متهكما بوجهه الكالح وفمه الذي يشبه مغارة الأربعين حرامي: خلاص مافيش جواز ولا يحزنون.. وذنب البنات في رقبتكم إلي يوم الدين!

...................

.....................

وإذا كان كل عشر بنات قمامير يقفن علي محطة الزواج.. لا يركب منهن قطار الزواج عندما يدخل محطته إلا أربع بنات.. أما الست الباقيات.. فمكتوب عليهن أن يدخلن غرفة العنوسة.. ليس عن طيب خاطر ولكن مرغم أخاك لا بطل كما يقولون.. كأنهن فاكهة ذهب وقتها وبارت علي أغصانها أو في أقفاصها.. عند «الفكهاني».. ولم يعد ينفع معهن نداءاته: يا عنب الشام.. ويا بلح اليمن.. ويا بطيخ حمار وحلاوة.. ويا مشمش طلب الأكال يا حموي!

قالت لي طبيبة دخلت دائرة الثلاثين عمرا.. ولم تتزوج بعد: تعرف أنا ما اتجوزتش ليه؟

قلت لها: ليه؟

قالت: عشان ماشية دوغري.. في حالي.. من البيت للشغل ومن الشغل للبيت.. لا باضحك مع ده.. ولا أنكت مع دي.. ولا أروح أسهر عند واحدة صاحبتي.. ولا أنزل البلد مع شلل البنات نتسكع في المولات ونقعد علي الكافيهات زي ما بيعملوا هما دلوقتي..

أسألها: بخبث: وهما بيعملوا ايه؟

قالت: يعني ما أنت عارف.. البنات والأولاد يسهروا في المولات.. ياكلوا يهيصوا يقعدوا علي الكافيهات وينكتوا ويضحكوا وياكلوا ويشربوا شيشة.. ما يضرش برضه وروح حضرتك إلي أي كافيه وسط البلد في شارع جامعة الدول مثلا أو في أي مول من المولات المعروفة حتشوف العجب.. يا عزيزي البنات دول آخر جرأة دلوقتي خلعوا برقع الحياء خلاص.. أنت موش من هنا ولا ايه؟

لم أتكلم.. ولم أعلق..

واصلت هي كلامها: وعلي فكرة البنات دول هما اللي بيتجوزوا.. أما احنا المؤدبين اللطاف الظراف.. اللي عارفين ربنا.. وكافيين خيرنا شرنا.. ولا يلبسن بناطيل محزقة ولا استريتشات ملزقة ولا بنحط ماكياج علي الآخر.. ولا بنطرقع بلبانة ولا بنعمل اللي احنا عاوزينه. ادي احنا قاعدين في البيت مع أهالينا.. لا حد خبط علي الباب ولا حد قال لنا يا جواز؟

....................

....................

قالت لي أم ثلاث بنات تزوجن جميعا والحمد لله: تعرف أنا جوزت بناتي الثلاث ازاي؟

قلت لها: ازاي يا ست هانم؟

قالت: البنت من دول لما توصل سن الجواز لو قالتلي أنا هاخرج النهاردة مع صاحباتي وأصحابي في الجامعة.. في الشغل ما قلش لا.. لحد اما تيجي تصارحني انها منسجمة حبتين مع ولد من الأولاد.. وعاوزة تخرج معاه لوحديهم.. عازمها علي ساندويتش.. حاجة حلوة.. كافيه.. ماشي.. سينما آه.. مع الشلة موش لوحديهم..

أسألها بلهفة: وبعدين.. وهو فاضل حاجة بعد كده؟

قالت: آه.. أطلب منها أنها تعزمه عندنا في البيت.. عشان يتعرف علي ماما.. اللي هي أنا.. أصل ماما عاوزة تشوفك.. أنا طبعا أقابله كويس وأفرزه كمان كويس!

أسألها: يعني ايه والنبي أفرزه كويس دي؟

قالتبمكر النساء القراري: يعني ولد كويس.. من عيلة.. مستقبله قدامه.. يقدر يفتح بيت واللا لسه حبتين..

باختصار كده.. لو كان ينفع عريس للبنت. نخش علي طول علي الفصل الثاني.. وخصوصا حضرتك عارف إن ما فيش عرسان اليومين دول!

أسألها: وايه بقي الفصل الثاني؟

قالت: نتعرف علي الولد نفسه.. لو لقيته متعلق ببنتي.. وبناتي زي ما أنت عارف علي الفرازة.. يعني حمار وحلاوة!

بس يوم كده عاوز يخرج معاها زي كل مرة.. أقوله: بس كدة.. الناس والجيران بدأت تتكلم.. عاوز تخرج مع بنتي يا بني البسوا دبل؟

طبعا يسألني هو: يعني ايه يا تانت ما احنا كويسين أوهوه .. بنخرج مع بعض مش كده..

أقوله: لا.. يابني كلام الناس كتير دول دبلتين تلبسوهم.. عشان تبقي تخرج معاها رسمي.. ما حدش يقدر يقول لك ساعتها تلت التلاتة كام!

أسألها: والولد يعمل ايه؟

قالت: تاني يوم يكون جايب مامته وباباه وزغرودة حلوة رنت في بيتنا.. وبقوا مخطوبين رسمي!

أسألها: طيب والجواز؟

قالت: دي أسهل شيء.. مادام الولد اتعلق بالبنت وجاب مامته وباباه.. يبقي كل حاجة سهلة بعد كده.. وأنا يا حبيبي جوزت بناتي القمامير اللي أنت عارفهم كويس وحضرت جوازاتهم.. بالطريقة دي!

قلت لها: يعني كل واحدة عملتي معاها كده؟

قالت: لا.. ديتها يا حبيبي واحدة بس.. ولما الناس تعرف إن بنت اتخطبت من البيت الفلاني دوغري العرسان يهلوا زي النحل علي الزهور!

أسألها: موش فاهم؟

قالت بعصبية ظريفة: موش فاهم يعني ايه.. الجواز زي العدوي.. لو أصاب بنت واحدة في البيت يصيب كل البنات موش في البيت بس.. في الحتة كلها!

أنت ما سمعتش المطربة أحلام وهي بتغني: وزغرودة حلوة رنت في بيتنا لمت حارتنا وبنات حارتنا؟

............

.............

قال لي أب لخمس بنات وأربعة أولاد: تعرف لقد كنا لحد عهد قريب جدا.. وكنا هذه تعود إلي الأسرة المصرية لما تتولد البنت تبدأ أمها في »التحويش« لها.. من لبس.. فلوس ما يضرش.. لكن حاجات تنفع البنت.. لما تتجوز وتروح بيت جوزها.. طقم حلل.. طقم معالق وشوك.. سجادة حلوة.. مفارش وملايات سرير.. أطقم كبايات وقهوة وشاي.. أطقم سفرة وأكل.. ماكياجات.. أطقم لبس بيت وخروج.. كل حاجة تنفع البنت.. الأم تحوشها وتحطها فوق الدولاب في الصندرة أو تحت السراير لحد أما المحروسة خلاص حتروح بيت جوزها؟

وكمان البنت والولد كانوا يحوشوا لما يشتغلوا من ماهيتهم.. يعملوا جمعيات.. عشان يساعدوا في المهر في عفش البيت.. دلوقتي كل فلوس الأولاد والبنات رايحة علي الموبايلات مافيش ولد.. وما فيش بنت معاهاش موبايل ماسكاه ليل نهار في أيدها بالشيء الفلاني.. وبتدفع قيمة المكالمات كل دخلها وكل مصروفها.. وما فيش تفكير في بكره.. لا الولد بيحوش وبيعمل جمعيات زي زمان ـ اللي اتجوزنا كلنا بيها ـ ولا البنت بتحوش من مصروفها عشان لما يجيلها عدلها!

والبنات ضاعت.. والأولاد ضاعوا صدقني سيب هذا المخبول اللي اسمه المحمول.. واللي هو السبب الرئيسي في عنوسة البنات اللي الموبايل سهل لها الخروج عن الخط.. وأنت فاهم وأنا فاهم!

قلت له: علي فكرة أكثر من شاب قال لي: أصبح سهلا أن تقيم علاقة مع أي فتاة.. والموبايلات وشبكة النت سهلت طريق النصب والضحك علي الدقون.. والباقي أنت عارفه!

قال: سأله الجواز دلوقتي مع أزمة الوظائف والبطالة.. وما فيش شغل.. والشقق اللي ولعت نار.. وسهولة اقامة علاقة بين بنت وولد.. جعلت مسألة الجواز عند الشباب مؤجلة إلي حين!

قلت: والبنات هن اللاتي يدفعن الثمن غاليا.. في الآخر سوف يدخلن رغما عنهن قطار العنوسة!

..............

..............

والآن.. إذا كانت البداية غنيوة شعبية تحكي حكاية بنت جالها عدلها.. في صورة من جاء يخطبها للزواج في عالم كله عنوسة.. تعالوا نقرأ كلمات من قصيدة حب لم يعد له وجود في عالمنا الذي نعيش فيه الآن بعنوان: حتي نلتقي للشاعرة الرقيقة فاطمة ناعوت:

فإن جئت إلي حيث قلبي..

همست إلي أبولو..

أن يقرع الطبول

ويطلق الموسيقي من أسارها..

لترج أرجاء الكون..

ثم ناشدن زيوس

أن يرسل البرق والرعد..

في سماء الله..

حتي ترتبك الأرض..

وتكف عن الدوران حول الشمس..

فلا يمر العمر الذي يجري..

ويصمت الزمان عن مساره المنذور..

فأعيش معك..

أبادا..

ودهورا..

.................

.................

أكاد أسمعكم تقولون:

بالذمة هو فيه حب في الزمن الأغبر الذي نعيشه الآن بالشكل ده..?{

*نقلاً عن صحيفة "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.