.
.
.
.

همجية "داعش" في بنجلاديش

ذِكْرُ الرَّحْمَن

نشر في: آخر تحديث:

لطالما عُرفت بنجلاديش، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، بأنها ديمقراطية ليبرالية، وهو تقليد يفتخر به زعماء البلاد وشعبها كثيراً. لكن في الآونة الأخيرة، ثارت مخاوف في هذا البلد الواقع في جنوب آسيا من الانتشار المتزايد للأيديولوجية الإسلامية المتشددة التي تنعكس في موجة من عمليات القتل لأساتذة الجامعة والكتاب والدعاة الدينيين المعتدلين. وفي الأسابيع الثلاثة الماضية فحسب، قتل رئيس تحرير مجلة يدعى عبد المنان، وأستاذ جامعي للغة الإنجليزية يدعى رضا الكريم، وداعية صوفي معتدل، طعناً بالمديات من مهاجمين في ثلاث حوادث منفصلة. وخطأ المجني عليهم الوحيد في نظر المتشددين الإسلاميين هو أنهم إما كانوا يكتبون أو يتحدثون عن ضرورة مواصلة الدعم للمجتمع الليبرالي والعلماني في بنجلادش لجني ثمار التقدم والرخاء عبر التعايش السلمي.

وعلى الرغم من أن «داعش» سارعت بإعلان مسؤوليتها على الهجمات، اشتبهت الحكومة في أن جماعات إسلامية متشددة محلية هي الضالعة في عمليات القتل. وفي سبتمبر الماضي أيضاً قُتل عامل مساعدات إيطالي وعامل زراعة ياباني بإطلاق النار عليهما في حادثين منفصلين. وفي ذاك الوقت، أعلنت «داعش» أيضاً مسؤوليتها عن قتل هذين الأجنبيين لكن الحكومة اتهمت إرهابيين محليين وسياسيين يدعمون جماعات يمينية متطرفة بأنهم الضالعون في قتل هذين الأجنبيين.

وفي السنوات الثلاث الماضية، يشهد هذا البلد الذي يقطنه 160 مليون مسلم والمشهور بقيمه الليبرالية تصاعداً في تيارات التطرف الديني. ووقعت الهجمات في وقت بدأت فيه الحكومة البنجلادشية التي تتزعمها رئيسة الوزراء الشيخة حسنة حملة أمنية مشددة ضد أعضاء من «الجماعة الإسلامية». وأعدمت الحكومة بالفعل أعضاء قياديين في «الجماعة الإسلامية» أدينوا بالقتل الجماعي أثناء نضال التحرير في عام 1971. وإعدامهم أثار غضب «الجماعة الإسلامية» والمتعاطفين معها الذين يتهمون الحكومة بأنها شنت حملة ذات دوافع سياسية. ويعتقد كثيرون من المتشددين أنه يجب ترجمة غضبهم ضد الحكومة في صورة قتل ينفذه عادة متشددون يستخدمون المديات. وتواجه الحكومة أيضاً انتقادات بأنها لا تبذل ما يكفي من جهد لاعتقال المجرمين الضالعين في هذه الحوادث. وثار الغضب أكثر بعد أن طلبت الحكومة من المدونيين على مواقع التواصل الاجتماعي توخي الحذر بشأن ما يكتبونه.

وعلى الرغم من أن جماعات مثل «داعش» و«القاعدة» في شبه القارة الهندية ليس لها موطئ قدم مباشرة في بنجلادش، هناك ما يدل على أن أيدولوجيتهم تؤثر على الجماعات الإرهابية المحلية. والعمال البنجلاديشيون الذين يعيشون في الخارج، خاصة في جنوب شرق آسيا والدول الأوروبية، يتأثرون بهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. والعام الماضي رحّلت سنغافورة من أراضيها 26 بنجلاديشياً لدعمهم أيديولوجية إرهابية وأرسلتهم إلى بنجلادش، حيث اعتقلت الشرطة أكثر من نصفهم لوجود علاقات لهم بجماعة إرهابية محلية يطلق عليها «فرقة أنصار الله». وكان الرجال الذين ينتمون لأنحاء متفرقة من بنجلادش قد ذهبوا إلى سنغافورة في المقام الأول ليكسبوا المال كي يرسلوه إلى أسرهم في بنجلاديش. وهذه كانت أول حالة يتم فيه تبني الأفكار المتشددة من عدد كبير من العمال الذين تدفعهم عادة رغبتهم في دعم أسرهم إلى كسب المال بالسفر إلى الخارج.

والأسبوع الماضي، احتجزت حكومة سنغافورة مرة أخرى ثمانية رجال بنجلاديشيين يعملون في سنغافورة للاشتباه في تخطيطهم لهجوم إرهابي في بنجلاديش. واحتجزتهم سنغافورة بموجب قانون الأمن الداخلي. وأعلن المحتجزون أنهم ينتمون لجماعة يطلق عليها «الدولة الإسلامية في بنجلاديش»، وأنهم كانوا يعتزمون الانضمام إلى «داعش» كمقاتلين أجانب في سوريا بحسب ما قالت السلطات الأمنية في سنغافورة. لكنهم لم يتمكنوا من السفر إلى أي بلد ثالث ليتسللوا إلى الشرق الأوسط، وكانوا يخططون للعودة إلى بنجلاديش لقلب نظام حكومتهم عبر وسائل عنيفة وإقامة دولة إسلامية هناك.

وبينما تثير هذه التطورات من دون شك القلق في جنوب آسيا بصفة عامة وفي بنجلادش بصفة خاصة لكن الجيد في الأمر هو النفوذ الواسع الذي يتمتع به الكتاب والمفكرون وعلماء الدين الليبراليون والمعتدلون في المجتمع البنجلادشي. والبلاد تبلى بلاء حسناً في كل المؤشرات الاجتماعية. فقد تقلص الفقر من 40 في المئة عام 2010 إلى أقل من 24 في المئة حالياً. وحققت بنجلاديش ما يزيد على ستة في المئة من النمو في السنوات الست الماضية. وعائدات التصدير وتحويلات المغتربين من الخارج زادت ثلاثة أمثال، والاحتياط الأجنبي أيضاً ارتفع 6.5 في المئة في الفترة نفسها في هذا البلد المسلم الفقير.

لكن التشدد المتصاعد مازال يمثل مجالاً يثير من القلق الكثير من دون شك. وهدف المتعصبين الدينيين، والمتشددين الضالعين في أحدث عمليات القتل، هو بوضوح نشر حالة من الذعر. والجماعات الإرهابية المحلية قادرة فيما يبدو على خلق حالة من الاضطراب في البلاد لكن الشعب واعٍ بشكل واضح فيما يبدو بالمخاطر على مجتمعهم إذا نجحت العناصر المتشددة في مسعاها لانتزاع السلطة من أيدي الحكومة. لكن عمليات القتل ما زالت سبباً قوياً لإثارة القلق في وقت تحاول فيه «داعش» و«القاعدة» الحصول على موطئ قدم في شبه القارة الهندية.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.