.
.
.
.

سباق المدن.. تصاميم وأحلام

محمد عارف

نشر في: آخر تحديث:

في أربعينية المهندسة المعمارية زهاء حديد أدركتُ لماذا يولي العراقيون لـ«الأربعينية» أهمية خاصة، فالتشييع يكون مباغتاً كالموت، و«الفاتحة» لحظة وداع خاطفة، لكن في الأربعينية يطيل المتوفي الوقوف. ووقوف زهاء في احتفالات إنشاء وتدشين أعمال جديدة لها، جعل «الأربعينية» مهرجاناً متنقلاً حول العالم.

بعد غد يفتتح في البندقية معرض أعمالها غير المنفذة، والتي وضعت أساس عمارتها وبَصمتها الخالدة في العمارة العالمية، وبينها مشروع تخرجها عام 1977 من «كلية العمارة» بلندن، وموضوعه «جسر على نهر التايمز»، أطلقت عليه زهاء اسم «تكتونية ماليفيتش»، وهو فنان ثورة أكتوبر الروسية، الذي بعثته وجعلته «البيان التأسيسي» لعمارتها. وفي معرض «البندقية» الذي يستمر حتى نوفمبر، تُعرضُ رسوم مشروع «نادي الذروة» في هونغ كونغ عام 1983، الذي فازت به على أساطين العمارة العالمية، ومشروع «أوبرا كارديف» الذي يعتبر فوزها به مرتين، ورفضه مرتين، فضيحة في تاريخ العمارة البريطانية، ويوافق معرض البندقية انعقاد «بيناليه العمارة العالمية»، وبين معروضاته رسوم ولوحات زهاء، التي لعبت دوراً أساسياً في تطوير فنها المعماري.

وتتسابق مدن عدة في الإعلان عن فوزها بتصاميم زهاء. في براغ، عاصمة «تشيكيا» أعلن عن فوز تصميمها لإنشاء حي للأعمال وملتقى محطات قطارات وباصات الضواحي والأقاليم في «مدينة المائة برج»، وهو اللقب الذي يطلق على براغ. وأُعلن في موسكو عن فوز تصميمها «بارك التقنية سبيربنك»، الذي تبلغ مساحته 131 ألف متر مربع، والمخطط له أن يضاهي «سليكون فالي» في كاليفورنيا، كمركز لمختبرات وكليات تقنية المعلومات الروسية في الطب، والبيولوجيا، والطاقة، والذرة، وصناعات الفضاء.

وقبيل الإعلان عن «سبيربنك»، افتتحت في إيطاليا محطة «ساليرنو» البحرية التي صممتها زهاء، وهي جزء من المخطط الأساسي لمدينة «ساليرنو» ومشاريع تجديدها الأساسية، الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وفي عام 2000 فازت زهاء بتصميم محطة «ساليرنو» البحرية. وقبل افتتاحها بأيام بدأ العمل بإنشاء صالة معرض «نورمبرغ» في ألمانيا، وتبلغ مساحتها 10 آلاف متر مربع، وأنجزت زهاء تصميمها عام 2014. ومعرض «نورمبرغ»، أكبر صالة معارض في العالم، تشارك فيه 120 دولة و30 ألف مشارك، ويبلغ عدد زواره مليوناً ونصف المليون.. والصالة الجديدة تمتد 75 متراً، وتضم مقهى، وقاعة مؤتمرات، ومكاتب، وحظائر المكائن والتشغيل والخدمات، ويتوقع إكمالها عام 2018. وأوجعَ قلبي تقرير الشروع بالبناء، الذي تضمن عهداً «سنحقق أفكار زهاء» وأُرفِقت به صورة 12 طفلاً ألمانياً يحملون لوحات رسموها بأنفسهم تحية لزهاء.

«فرشتُ أحلامي تحت قدميكِ، فطئيها برفق لأنك تطئين أحلامي»، قال الشاعر الإنجليزي «ييتس». وبريطانيا تفرش أحلامها تحت قدمي زهاء، فيمنحها «المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين» الجائزة التي لم تُمنح من قبل لامرأة، وهي «الوسام الملكي الذهبي» لعام 2016. وتصادق على هذه الجائزة، التي أنشئت عام 1846، ملكة بريطانيا شخصياً، ولا تُمنح لعمل معماري واحد، بل لمجموعة أعمال مهندس معماري، وبين الفائزين بها أساطين العمارة العالمية، كوربوزيه، وفرانك لويد رايت، وفرانك جفري. وذكر بيان منح الجائزة لزهاء بعض «أعمالها الدينامية، ومشاريعها المبدعة، التي بنتها عبر ثلاثين عاماً من التجريب الثوري، والبحث في ميادين العمارة، والتصميم والعمران». والمفارقة أن «ثورية» أعمال زهاء كانت سبب حرمانها ثلاثة عقود من فرصة البناء في بريطانيا!

وماذا أقول لزهاء في أربعينيتها غير ما قاله «ييتس» في قصيدته: «لو كانت عندي ملابس السماوات المطرزة، الموّشاة بوهج الذهب والفضة، الملابس الزرقاء، والمعتمة، والداكنة، ليلاً، والضوء ونصف الضوء، سأنشر الملابس تحت قدميكِ: لكني كفقير لا أملك سوى أحلامي، نشرتها تحت قدميك، فطئيها برفق فهي أحلامي».

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.