.
.
.
.

عمياء.. حروب الجيل الخامس!

عبدالله العوضي

نشر في: آخر تحديث:

هكذا اختتم أحد المشاركين كلمته في مؤتمر «الجيل الرابع من الحروب» بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عندما أشار إلى الخطورة الأكبر عند حلول موعد حروب الجيل الخامس التي لا تعمي الأبصار فقط، وإنما تعمي أيضاً عيون الدول المستهدفة من الفضاء المفتوح، كيف؟

وسَمّاها البعض بالحرب الكونية التي لا تنفع فيها الطائرة ولا الدبابة ولا غيرها من الأسلحة التقليدية ولا المتطورة، لأنّك تحارب أمواتاً منذ البداية، فهذه الفئة لا تريد حرباً للسلام، بل حرباً عبثية على الدوام، وهو ما يحدث اليوم على أرض الواقع بلا رُتوش.

الخوف الأعظم من هذه الحرب إذا ما تمكن المتمرسون في الإرهاب والتطرف من الشبكات الإلكترونية التي تمد الدول والمدن بخطوط الهاتف والمياه والكهرباء والمواصلات البرية والجوية، وكذلك المتعلقة بالرادارات الحربية التي تدار من خلالها المعارك ضد هذه الشريحة العابثة بمقدرات البشرية، وليس بأمّة وحدها.

قبل عهد ما يُسمّى «الربيع العربي» زوراً وبهتاناً كنَّا نكتب عن حرب السلام أي التي يراد من خلالها إرساء دعائم للسلام تمنع وقوع الحروب المدمرة كالحرب العالمية الأولى ومن بعدها الثانية، ولم تقع الثالثة إلى هذه الساعة، وإن كان البعض يصف الحرب العالمية القائمة ضد الإرهاب بالحرب الثالثة أو الرابعة إذا ما تجاوزنا حروب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وكذلك غزو العراق للكويت وإخراج صدام منها.

فحروب الجيل الرابع والخامس، لم تعد مرئية، لأن كل الأسلحة المكتشفة حتى الساعة تقتل أفراداً معدودة على أصابع اليد الواحدة وأحياناً كما أشارت بعض التقارير إلى أن تكلفة قتل «الداعشي» الفرد تصل إلى عشرة ملايين من الدولارات وهو مبلغ لو استخدم في قتل فكر الإرهاب لانتهى «داعش» ومن خلفه منذ عقود.

وهذه الحروب التي تدار على أرض اليمن وسوريا والعراق وأفغانستان وليبيا والصومال وعلى أطراف دول أخرى ابتليت بالجماعات التي تحمل عبث الإرهاب في فكره القاتل للبنية الأساسية للدول المستهدفة، فهي لم تعرف لها بداية، وكذلك النهاية مجهولة بسبب غموض وقت الوقوع من عدمه.

يصحو العالم ولا نقول دولة ما، وهو يتوقع انفجاراً في مكان، وعملية انتحارية ناسفة في مكان آخر، ويستطيع بذلك التنبؤ بما يمكن أن يقع في تلك البلدان وغيرها. وهذه هي عين الفوضى التي يراد من خلالها خلق وضع جديد في المنطقة يصعب التحكم فيه عن قرب فضلاً عن بُعد عبر أنظمة «الريموت كونترول» العسكرية والمدنية سيّان.

فحالة العمى سِمة بَارزة لمن يقومون بعمليات متخبطة عشوائية بلا تخطيط مجهول المصدر والمعلومة فيها غامضة وهو أقرب إلى ما كان يسمى حاطب ليل يفاجأ بين كومة حطبه بأفعى قاتلة دون أن يراها، فهؤلاء أشد سُمِّية من الأفاعي التي نعرف ونتصدى لها إذا واجهناها.

مَنْ الذي ينعم الآن بالسلام بعد الحرب العالمية الأولى والثانية غير الدول التي تحالفت لإنهائها حتى لو ذهب من أجل ذلك السلام أكثر من 30 مليوناً من البشر وهدمت قواعد البنيان المدني للدول ومؤسساتها، إلا أن لجنة مارشال قامت بالواجب وزيادة، والأهم هو إحلال السلام العام لكي يعم أوروبا ومعها أميركا والدول التي وقفت تحت مظلتها في آسيا كاليابان وكوريا الجنوبية، وتايوان وسنغافورة وهونج كونج.

إلا أن خيرات حرب السلام هذه لم تحل على منطقة الشرق الأوسط حتى الساعة، وقد خاضت حروباً متوالية بعد الحربين العالميين حتى وصل بها الحال إلى مواجهة شرسة للجيل الرابع من الحروب التي تبشر بأجيال أخرى غير متوقعة وإن كانت نظرياً واضحة.

فحرب السلام لم تعد لها آثار إيجابية على منطقة العالم العربي والإسلامي بدليل أنها وهي لقرابة قرن تكافح من أجل بث روح المشاريع التنموية المستدامة في عروقها، إلا أنها ما أن تبدأ في التنفيذ حتى تقع من غير استئذان تحت وطأة «القاعدة» و«داعش» ومن يصفق لها من «الحوثيين» وآخرين قد لا نعلمهم، الله يعلمهم.

مع العلم بأن أوروبا وأميركا حتى الآن تقطفان ثمرة حرب السلام تلك، وإذا استمر حال منطقتنا بهذه العبثية السوداء وأمام أعين الداعين إلى حرب السلام في هذه البقعة المباركة والمشتعلة في آن، فإن تكاليف استعدادنا لحروب الجيل الخامس ستكون مرهقة ولا مفر من مواجهتها إذا أردنا الاستماع لصوت المستقبل.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.