.
.
.
.

يا جماعة افهموها... قرارهم ليس بيدهم

حمد العصيدان

نشر في: آخر تحديث:

طوال شهر مضى، ظللت أراقب ـ ومن دون تعليق ـ مسار المشاورات اليمنية التي تستضيفها الكويت، بين وفد الشرعية الذي يمثل الحكومة، ووفد الانقلابيين الذي يمثل الحليفين عبدالملك الحوثي وعلي عبدالله صالح. ومع مراقبتي تلك، كان لدي اعتقاد جازم بما سأقوله الآن، لكنني بقيت صامتا حتى لا أكون من فريق المتشائمين الذين يؤكدون فشل المفاوضات قبل بدايتها، أو بعد بدايتها بقليل.

الآن، وبعد شهر من «الجدل البيزنطي» بين الطرفين، اتضح بما لا يدعو مجالا للشك، أن الطرف الآخر، وأقصد به الانقلابيين، لم يأت للكويت وفي يده غصن زيتون، بل جاء وهو يخفي خلف ابتسامات أعضائه، قلب ثعلب، راوغ وتهرّب، ثم راوغ وتهرّب، ولم يبدِ أي استعداد للسير بالمفاوضات نحو الحل السلمي للأزمة، ففشلت المشاورات أول مرة، وعلق الوفد الحكومي مشاركته، كنوع من الضغط، لعل الانقلابيين يرجعون إلى رشدهم، فاستدعى صاحب السمو، الوفدين والمبعوث الأممي، في لقاءات انفرادية، ودعاهم سموه إلى العمل من أجل اليمن وأهله، بعيدا عن أي أجندة خاصة لا تعبر عن مصلحة البلاد، فعادت عجلة المفاوضات إلى الدوران في حلقة مفرغة جديدة.

ثم ها هي المفاوضات تصل مرة أخرى إلى طريق مسدود، مع إصرار ممثلي الحوثي - علي صالح على المراوغة وعدم إظهار أي جدية في سبيل الوصول إلى حل سياسي ينهي مأساة الأشقاء جراء ما جره عليهم الانقلاب. فاستدعى صاحب السمو الأطراف كلها مجددا يوم الأربعاء الماضي، ودعاها إلى بذل كل جهد من أجل الوصول إلى حل سياسي، يجلب السلام الذي يضمن استقرار اليمن وسلامة أبنائه، فيما لم يترك مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة اسماعيل ولد الشيخ أحمد، سبيلاً إلا سلكه للوصول إلى حل، من دون جدوى. وفي كل مرة يكون التراجع من طرف وفد الانقلابيين الذي ـ كما يبدو ـ لا يحمل أي تفويض لتوقيع اتفاق سلام، كما هو متفق عليه، بل تفويضه قام على المراوغة، وفي كل مرة تشهد المفاوضات تقدما وتفاؤلا، يأتي اليوم التالي مباشرة ليشهد انتكاسة جديدة بعودة وفد الانقلابيين إلى «المربع الأول».

مرة نكسوا على رؤوسهم رافضين تسليم سلاح الميليشيات، من دون اتفاق على نزع سلاح كل الأطراف، الأمر الذي استهجن من كل المتابعين، ولاسيما المبعوث الأممي الذي يعمل جاهدا للوصول إلى توافق وحل ضمن إطار قرار مجلس الأمن الرقم 2216 والقاضي بانسحاب ميليشيا الانقلابيين من المدن وتسليم أسلحتهم، فكيف لهم أن يطلبوا نزع سلاح الجميع؟ فإذا كانوا هم ميليشيا مسلحة انقلبت على الشرعية واستولت على العاصمة بقوة السلاح، فقد صدر قرار دولي بانسحابهم وتسليم أسلحتهم، فكيف لهم أن يطلبوا نزع سلاح كل الأطراف؟ فالطرف الآخر هو الدولة الشرعية وقواتها المسلحة، فهل هناك قانون في العالم أو عاقل يمكن أن يؤيد سحب سلاح جيش الدولة؟

وفي المرة الجديدة، وبعد أن ظهرت بوادر انفراج وتقدم، عاد وفد الحوثي - علي صالح ليطلب طلبا جديدا، وهو سحب شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، معتبرين أنه غير شرعي، ولابد مما أسموه «السلطة الانتقالية» التي يريدون أن تكون لهم حصة كبيرة فيها، ضاربين بعرض الحائط كل التفاهمات السابقة والاتفاقات والخطوات التي تمت خلال الفترة السابقة من المفاوضات، وهو أمر أثار حفيظة المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي لطالما كان يبدي تفاؤله بمسار المفاوضات، وهي في أسوأ حالاتها، فغضب من مراوغات وفد الانقلابيين، ودعاهم إلى اظهار حسن النوايا إذا كانوا يريدون تحقيق السلام، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، ولن يحدث في ظل أنهم يتحركون ضمن هامش ضيق رسمه لهم زعماؤهم الذين أرسلوهم.

وإزاء كل ما جرى خلال الشهر الماضي، أقول وأنا واثق تماما من كلامي، إن مفاوضات الكويت لن تحقق أي تقدم أو إنجاز حتى لو امتدت سنوات، طالما أن وفد الانقلابيين، ومن ورائه زعماؤهم في صنعاء، لا يملكون قرارهم، بل القرار بيد داعميهم في طهران، الذين لم يتوقفوا منذ قيام الانقلاب على الشرعية، في إظهار الدعم المطلق لهم، ومعاندة أي حل يبدو في الأفق لإنهاء معاناة الأشقاء.

فالحوثيون أدوات لطهران وخنجر يريدون بقاءه في الخاصرة الجنوبية للمملكة العربية السعودية، ووسيلة لتحقيق مآرب ساسة طهران في زعزعة أمن السعودية وبث الفتنة فيها. لذلك قلنا إن مفاوضات الكويت في شأن اليمن لن تفضي إلى شيء، حتى لو استمرت سنوات... والأيام ستثبت ذلك.

*نقلاً عن صحيفة "الراي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.