.
.
.
.

الغنوشي المدني

أمين قمورية

نشر في: آخر تحديث:

خلع راشد الغنوشي عن "حركة النهضة" التونسية العباءة الاخوانية التي تدثرتها منذ نشأتها وألبسها لباس حزبٍ سياسي مدني يفصل الدعوي عن السياسي. فعل بذلك حسناً لان تجارب الخلط بين السياسي والديني في بلادنا انتهت الى العنف والارهاب على غرار ما يفعله اليوم "الخليفة البغدادي" وأبو محمد الجولاني وما فعله قبلهما اسامة بن لادن وايمن الظواهري وسيد قطب ورهط من امثالهم.

ليست المرة الاولى يخالف الغنوشي التوقعات، فقد تخلت حركته عن السلطة طواعية في تونس وأقامت شركة في الحكم مع بقية الاحزاب الوطنية التونسية، على عكس ما فعلت الحركة الاخوانية الام في مصر التي كلف تفردها بالسلطة البلاد غاليا. وربما جنبت عقلانيته تونس مصير جارتها ليبيا وقبل ذلك الجزائر. فالرجل هو من الشخصيات النادرة في ساحة الاسلام السياسي التي لها من الحضور والنفوذ ما يمكنها من تغيير المسارات، مثله في ذلك مثل الزعيم السوداني حسن الترابي.
الخطوة التونسية لن تمر بلا جدل، سيرى فيها بعض الاسلاميين نكوصاً عن الدين أو ردة نحو العلمانية أو حتى ارضاء لـ"انظمة الكفر"، وسيشكك فيها العلمانيون وسيرون فيها مراوغة وعدم صدق وانها اطلقت لأغراض سياسية وانتخابية ودعائية، ودافعها تأكيد تخلّص الحزب من عُقدة شبهة التوجه الديني المنغلق، واظهار مسلك الاعتدال والانفتاح والتسامح، من أجل طمأنة الرأي العام.
وسيربطها البعض الآخر بما حدث في مصر حتى لا يتكرر في تونس.
سيحتاج الغنوشي الى وقت طويل، كي يُثبت صدقيته وجديته ، فمثل هذه المواقف تستدعي أسئلة في العمق: هل أدرك الغنوشي في أرذل العمر أن نهج الاسلام السياسي لم يكن صحيحا، وأن الأصح هو النهج الحداثي المدني؟ هل اقتنع بضرورة فصل الديني عن السياسي؟ هل خطوته هذه طلاق سياسي أو أيديولوجي مع "الاخوان"، أم هي مجرد اعادة تموضع وتبرئة ذمة من الأزمة الأمنية والاقتصادية التي تعيشها تونس؟
في مؤتمر الحركة جدد الغنوشي لنفسه رئيسا لها، وكان أجدر به اثبات ديموقراطيته الوليدة بالإفساح في المجال لتداول السلطة بضخ دم جديد في القيادة، فالتخلي عن السلطة اقل صعوبة من التخلي عن نصوص مقدسة عصية على السقوط.
في أي حال، ان خطاباً عقلانياً ذكياً يوازن بين الحكم الديني والحكم السياسي، مع تشديده على احترام القانون والدستور، يظل أفضل من خطاب طوباوي يقاوم الحداثة ويلغي الآخر ولا يريد الديموقراطية سوى لمرة واحدة فقط. كذلك تشديد الغنوشي على تونسيته على عكس ما فعل محمد مرسي و"مرشده" مهدي عاكف اللذان قدما مثالهما "الاخواني" على وطنيتهما المصرية.
نقلاً عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.