.
.
.
.

رحلة في المستقبل: فييتنام كـ"مستعمرة" اقتصادية أميركية

جهاد الزين

نشر في: آخر تحديث:

لا وزارة خارجية في العالم العربي يجب أو يمكنها أن تعتبر نفسها غير معنية بزيارة الرئيس باراك أوباما الحالية إلى فييتنام. فهي كاشفة عن تطور العلاقات الأميركية مع العالم على أكثر من مستوى يعنينا بصورة أو بأخرى في العالم العربي.

لا مكان في العالم، لا حتى كوبا وإيران، يصلح أن ينقلنا إلى المستقبل مثل هذه الزيارة إلى فييتنام.
ولا زيارة لرئيس أميركي حتى تلك التي ستحصل بعد سنوات إلى إيران "جديدة" أو نصف جديدة يمكنها أن تمنحنا الدلالات الرمزية لا فقط لتحولات الجغرافيا السياسية للقرن الحادي والعشرين بل الأهم للتحولات التكنولوجية - الحضارية... كما تمنحنا إياها رمزيا زيارة أوباما إلى فييتنام.
دولة طُرِدتْ بل هُزِمت في فييتنام في حرب هي الأعمق تأثيرا في جيل كامل من الأميركيين بل ربما الأعمق تأثيرا داخليا بين كل الحروب الخارجية التي خاضتها الولايات المتحدة حتى قياسا بالحربين العالميتين الأولى والثانية. دولة طُردت في فييتنام يعود رئيسها أمس الأول وسط تصفيق جيل جديد شبابي من الفييتناميين وترحيب، حتى غير حذر؟، من قيادتها الشيوعية التي تبنّت النمط الصيني للانفتاح الاقتصادي دون السياسي ولكنها دخلت منذ سنوات في علاقة حرجة مع الصين نتيجة التنافس على ثروات مياه بحر الصين الجنوبي.
المهزوم عسكريا يعود مكلّلا بالنصر الحضاري! أي الاقتصادي بما هو التفوق الحضاري عنوانه في عالمنا، عالم الانجازات التكنولوجية وثقافاتها السياسية والاجتماعية.
لن تصبح هانوي مستعمرة سياسية في أمة كفييتنام شديدة الاعتزاز بماضيها بل هي قياسا بالدول الصغيرة الأخرى في جنوب شرق آسيا نوعٌ من "إمبريالية صغيرة" في تاريخ المنطقة. لكنها ومنذ سنوات تتحول إلى نوع من "مستعمرة اقتصادية" للمنتوجات الأميركية.
هذا هو القرن الحادي والعشرون وهذه هي أميركا. تفوق حضاري يمكنه أن يغيِّر أكثر حلقات التاريخ المعاصر عدائيةً إلى حلقات إيجابية وبناءة. ألم تَنتشر لدى بعض المحللين الاسترتيجيين الغربيين مقولة: "صيمِرِكا" ( Chimerica) التي تعتبر أن "البلدين، أميركا والصين، ارتبطا كلاهما كما لم يحدث في السابق بتدفُّق متبادل من البضائع والخدمات والبشر والأفكار ...إلى حد أنهما اندمجا في بنية واحدة إسمها صيمِرِكا". ويسأل أهارون ل. فريدبرغ في كتابه المرجعي " تنافس على التفوق- الصين، أميركا، والصراع على التسَيّد في آسيا"- 2011 دار دبليو دبيلو نورتون نيويورك لندن- يسأل التالي في الصفحة 46:
هل صِيمِركا هي وحش أسطوري أم ظاهرة حقيقية؟
لكن الباحث الأميركي، المتأثِّر بالمدرسة الكيسنجرية، يسجِّل أن نسبة كبيرة من النخبة السياسية والاقتصادية الأميركية تعتبر العلاقة الأميركية الصينية ضرورية للازدهار الأميركي رغم مخاطر "صعود الصين".
حسب "النيويورك تايمز" أمس فإن التنافس الأميركي الجيوبوليتيكي مع الصين هو الذي يأتي بالرئيس أوباما إلى فييتنام. وهذا ما أصبح معروفا منذ بدأت إدارة أوباما في الولاية الأولى التصريح العلني عن "التحوّل الاستراتيجي" إلى منطقة الباسيفيكي.
فييتنام اليوم الطامحة إلى مزيد من تخفيف الحظر التقليدي الأميركي منذ سبعينات القرن العشرين على استيراد الأسلحة، تراهن على الزيارة للحصول على أسلحة متطورة أميركية لتعزيز استعداداتها الردعية لمواجهة النشاط العسكري الصيني المتزايد في بحر الصين والهادف إلى استثمار ثرواته والحد من "الحصار" الأميركي الاستراتيجي التقليدي على شواطئها. وهو نشاط يثير مشاكل مع دول عديدة في المنطقة من اليابان إلى فييتنام.
فييتنام تقيم علاقات تجارية، بما فيها استيراد أسلحة، مع إسرائيل. وهي إذ تعتمد بصورة خاصة على أسلحة متطورة روسية الصنع تحاول تنويع مصادرها.
يجب أن ندرس نحن العرب العلاقة الأميركية مع فييتنام كنموذج لنوع تطور علاقة أميركا بعدوٍّ حقيقي سابق. ولكن ما هو أكثر إلحاحا أن الزيارة هي علامة كبيرة على التحول الأميركي من الشرق الأوسط إلى آسيا. ليس الانسحاب، حتى لا نختلف على الألفاظ، وإنما تغيير الأولويات.
النمط الإيراني البادئ بعد الاتفاق النووي يستعد على قدم وساق للدخول في التجربة "الصينية" والفييتنامية: استمرار النظام القديم والدخول الكامل في السوق الغربية التي لا يمكن أن تنتهي سوى في السوبر ماركت الأميركي.
وكما في العلاقات الأميركية الصينية، ولكن بحجم أصغر، يمكن السؤال: كيف تتحول الجغرافيا السياسية، سلبا وإيجابا، مع التحول الاقتصادي؟
أيا يكن عمق الاتفاق النووي الأميركي الإيراني فإن لدى واشنطن الميزة نفسها التي تتمتع بها في آسيا وهي حجم الحساسيات بل العِدائيات الإقليمية بين العديد من دول المنطقة مع الصين بما يحد من قدرة الصين على إقامة محاور إقليمية بقيادتها فيما ترتاح معظم دول شرق آسيا إلى دور أميركي توازني مع الصين. الميزة نفسها لواشنطن على "صديقها" الجديد إيران بسبب الحساسيات الإقليمية العربية التي تحد من أي دور مستقبلي سريع لها.
ومما يلفت النظر، أخيرا، أن بعض المحللين الأوستراليين بما يعكسون من نظرة "غربية" إلى منطقة شرق آسيا يضعون فييتنام بين الدول الثلاث المهيأة لدور عسكري إقليمي فيها وهي الصين والهند تليها فييتنام. لكن أيضا كما يشير الباحث ميكايل وسلي في كتابه "هذا هو الجوار- أستراليا وصعود آسيا" ( 2011) - منشورات جامعة نيو ساوث ويلز - يقدِّر حجم القوة العسكرية الجاهزة في فييتنام بنصف مليون شخص تحت السلاح يومها، بينما للصين مليونان ومائتا الف شخص والهند مليون وثلاثمائة الف شخص، معتبرا فييتنام بين "العمالقة" الثلاثة في جنوب آسيا.

نقلاً عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.