لماذا مصر؟

علي الطراح

نشر في: آخر تحديث:

بعد سقوط الطائرة المصرية التي كانت في طريقها من باريس إلى القاهرة، برزت مجدداً مخاوف كثيرة تثير الانتباه حول الاستهداف الذي ظهر بعد نهاية حكم «الإخوان المسلمين» لمصر. نحن نسارع باتهام هذا أو ذاك من الفصائل الإسلامية السياسية، وإن توهم البعض وجود مساحة ممكنة للتفاهم مع بعض الأطراف السياسية، إلا أنه من الواضح أن الكثير مما يحدث بحق مصر، ومنه حادثة سقوط الطائرة الأخيرة، يؤكد وجود نية الاستهداف لضرب الاقتصاد المصري.

فبعد سقوط بغداد، والاقتراب من سقوط دمشق، تصبح مصر (الدولة العربية المحورية) مستهدفةً. وربما كانت الحسابات أنه بسقوط مبارك وصعود «الإخوان المسلمين»، تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة العربية، لكن ذلك المخطط تعثر، فتضاعفت محاولات الاستهداف التي ترى في سقوط مصر مفصلاً من مفاصل الفوضى المرادة للمنطقة.

إلى هذه اللحظة لا نعرف تفاصيل ما حدث خلال سقوط الطائرة المصرية، إلا أن هناك مؤشرات قوية لعمل يتسم بتقنية عالية تجعلنا نقترب من محيط دائرة قوى الاستهداف لمصر، وهي ليست قوى مبعثرة، بل قوى منظمة تعتمد على تقنية عالية، وهذا ما قد يربط الحدث بجماعة «داعش» التي مازالت تتحرك وتخوض المعارك رغم محاربتها دولياً، مما يعزز فرضية الدعم الخفي للظاهرة الداعشية المخطط لها من قوى ذات تقنية عالية، سعياً لزعزعة الوضع العربي.

والخوف أن تكون هناك دول متورطة في استهداف مصر، وإذا ما ثبت ذلك، فالأمر في غاية التعقيد، حيث الاختراق التقني الكبير يختار حلفاءه بعناية، على اعتبار أن الشراكة في المخطط تجعل الحليف بعيداً عن الاستهداف، بينما الحقيقة هي أن أي محاولة تتسم بالكرم العربي لن تنجح في إبعاد الخطر المحدق بنا كدول عربية. إن سقوط مصر (لا قدّر الله) يشكل أحد أهم المفاصل للسقوط العربي، وهذا ما يدعو للخوف من طبيعة ما يحاك من مؤامرات سيذهب كثيرون ضحية لها. والتاريخ مليء بالشواهد على نكران الجميل، والمصالح المتغيرة تفرض نفسها بينما يغيب عن كثير منا الوعي بطبيعة المتغيرات الكبرى، إضافة إلى تعاملنا ضمن رؤية ثقافية تحبس حرية التفكير وتغيب جرأة المبادرة في وضع تصورات مستقبلية توفر الضمانات الأساسية للاستقرار.

ورغم كل شيء فإن صلابة مصر تشكل إحدى أهم الأدوات لإفشال مخطط الفوضى الذي تلوح ملامحه في محيطنا العربي. العمل العربي المشترك يمر بأسوأ مراحله. ورغم كل ما يحدث في المنطقة العربية من تقلبات وعواصف، ليس هناك موقف عربي موحد أو حتى عقلاني يلتقي في الحدود الدنيا. جامعتنا العربية معطلة وغير قادرة على اتخاذ أي مبادرة في ظل تشتت الرؤى. لذلك تبادر دول الخليج العربي لتولي الدور التاريخي في إنقاذ المنطقة، وهي أيضاً ليست بعيدة عن الاستهداف، خصوصاً إذا وضعنا في الاعتبار ما جاء بعد أحداث 11 سبتمبر العنيفة التي ضربت قلب العالم.

والمؤكد أن بعض المراجعات العربية مطلوبة في هذه المرحلة، أما محاولات الانكفاء والاستفراد تحت أي عذر، فهي لن تنجح في التصدي للموجات العاتية التي تضرب المنطقة. الموقف المشترك مع مصر ضرورة لنا جميعاً، لذلك ينبغي التخلص من بعض أوهام التاريخ والاقتراب من الواقع، لأن الحدث أكبر مما نتصور. فالاستهداف بات واضحاً، وثمنه مكلف إذا لم نلتق على الحد الأدنى في رسم رؤى مستقبلية تبعد عن دولنا شبح الدمار.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.