.
.
.
.

الكائن الإخواني!

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

لا يمكن الفصل بين الإجراءات التي اتخذت في بعض الدول كالأردن لتحجيم نشاط الإخوان المسلمين وبين نشاط إخوان مصر بعد خلعهم عن السلطة، كذلك لا يمكن فهم محاولات التنصل من سيطرة إخوان مصر على مقاليد الأمور في التنظيم الدولي للجماعة بالتزامن مع الإجراءات التي تتخذها حركة النهضة الإخوانية التونسية بإعلانها الفصل بين العمل الدعوي وممارسة السياسة من دون استيعاب تجربة الإخوان في حكم مصر والفشل الذريع الذي وقعت فيه الجماعة وأطاح بآمالها وضرب تاريخها وغير من مستقبلها.

وبغض النظر عن تفاصيل ما جرى في الأردن وما يجري في تونس، فالمؤكد أن وصول الإخوان إلى قمة السلطة في مصر ثم عزلهم بثورة شعبية بعدما دخلوا في صدامات مع غالبية مؤسسات الدولة، وصراعات مع قوى سياسية أخرى بينها أحزاب وشخصيات نخبوية ناصرت الجماعة وساندتها في مرحلة ما، مثّلَ تحولاً دراماتيكياً في تاريخ الإخوان ونقلهم، دون ريب، من مرحلة إلى أخرى فحول الصور النمطية التي سادت عنهم في الأوساط الشعبية، وكذلك حتى لدى دوائر سياسية ووسائل إعلام، من جماعة يعاني أعضاؤها الملاحقات والمطاردات والحصار إلى تنظيم يسعى إلى الاستئثار بالسلطة ويستخدم كل الطرق والسبل والحيل لتحقيق غرضه وعندما يحققه ينقلب على كل المفردات السياسية التي روج لها ويصطدم بكل الثوابت السياسية التي تعهد باحترامها، ويسعى إلى الحفاظ على التنظيم والإبقاء على الجماعة والسيطرة على الأعضاء حتى لو كان الثمن سلامة البلد وأمنه واستقراره وبقائه.

كان لجوء الجماعة إلى العنف ودخولها في صدامات مع قطاعات شعبية واسعة بعد 30 حزيران (يونيو) 2013 وإصرار قادتها على التسخين الدائم للشارع وافتعال الأزمات مع الناس واقتناص كل فرصة لضرب الاقتصاد ووقف حال العباد متسقاً مع تاريخ الجماعة التي منذ تأسيسها العام 1928 ظل قادتها يضعون مسألة الحفاظ على التنظيم في مقدمة الأولويات مهما كانت الظروف. في هذا الإطار يمكن تفسير بيان الجماعة الأخير حول طائرة شركة مصر للطيران التي سقطت في المتوسط أخيراً والذي كتب بصياغات ركزت على الشماتة والتهديد وخلص إلى أن استمرار السيسي في حكم مصر يعني استمرار الكوارث وأن في إمكان المصريين الخلاص إذا عملوا على إعادة الإخوان إلى الحكم فينجوا بأنفسهم!

طبيعي أن يلقى البيان رفضاً حتى من جهات تعاطفت مع الإخوان فترة ما فما بالك بمن أكتوى بنارهم، لكن التفسير السياسي هنا يشير إلى أن الجماعة لا تخاطب أي جهة، بما فيها الدول الداعمة للجماعة والفضائيات التابعة لها، أو حتى المنظمات الغربية التي تتفق مع الإخوان في الهدف وإن اختلفت معها في اللغة والعقيدة! خاطب الإخوان بالدرجة الأولى عناصرهم من البسطاء في المحافظات المصرية ممن ما زالوا يصدقون أنهم في محنة صنعها الغرب ومؤامرة حاكها الجيش وخدعة تعرض لها الشعب!

صحيح أن الحضور الإخواني في الشارع في مصر لم يعد بالزخم نفسه الذي كان عليه قبل سنتين أو ثلاث لكن الدعم الذي تلقاه الجماعة من الخارج والفضائيات الموالية لها والتي تبث من دول تدعم التنظيم أو تنتسب له ما زال يمنح قادة الإخوان الأمل في استعادة دور في الحياة السياسية المصرية، وإذا كانت تقارير أشارت إلى خلافات داخل مكونات التنظيم الإخواني المصري فإن المدقق يلحظ أن كل الأطراف المتصارعة على المواقع القيادية في التنظيم تتفق على استمرار المواجهة مع الدولة المصرية ما يشير إلى أن الجماعة وقادتها المتصارعين لم يستوعبوا الدرس بعد، بينما يسعى قادة الإخوان في دول أخرى إلى تحسين الصورة والظهور وكأنهم ينأون بأنفسهم عن إخوان مصر وأخطائهم من دون أن يدركوا أن شظايا الربيع العربي رسخت قناعات لدى الناس بأن الكائن الإخواني واحد لا يتغير مهما اختلفت جنسيته أو لهجته أو حيلته!

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.