.
.
.
.

صناعة العدم

صلاح الساير

نشر في: آخر تحديث:

في عالم الصحافة والنشر تميل المدرسة التقليدية إلى الاعتقاد بأن الخبر المشوق أو العنوان الجذاب أو حسب العبارة الدارجة (المانشيت البيّاع) الذي يسهم في زيادة مبيعات الصحيفة هو الخبر الذي ينطوي على 4 عناصر، مصدر ثلاثة منها الثالوث المحرم في عالمنا وأقصد به (الدين، السياسة، الجنس) إضافة إلى عنصر رابع وهو (الغموض) فالخبر المثالي هو الذي ينطوي على تلك العناصر الأربعة.

في وقت مضى قام احد الاعلاميين الغربيين بصياغة المانشيت الافتراضي النموذجي على النحو التالي «يا إلهي.. الملكة حامل.. من فعلها؟» فهذه العبارة تجمع العناصر الأربعة التي تشكل الخبر المثير أو المشوق. فالدين يتمثل بكلمة «يا إلهي» والسياسة تمثلها كلمة «الملكة» أما الحمل فينطوي على عنصر «الجنس» ويتبقى الغموض الذي يتمثل بالسؤال «من فعلها؟» وبعد انتشار الأمراض الجديدة والأوبئة صار من الضروري إضافة عنصر «الصحة» على الأخبار المشوقة والمثيرة!

كان نشر الاخبار في الماضي القريب مهمة وكالات الأنباء والصحف والاذاعات ونحو ذلك من أقنية الميديا التقليدية، فكان للإثارة والتشويق أسقف محددة كي لا يفقد الناشر مصداقيته أو يتعرض للعقوبات. لذلك كانت وسائط الاعلام المحترمة تتحرى الدقة وحقيقة الاخبار المنشورة بعكس ما يحدث اليوم فيما يعرف بالاعلام الاجتماعي Social Media حيث الاخبار والمعلومات الرائجة هي الكاذبة، وحيث الناس أنفسهم يشاركون بترويج الاشاعات التي يصدقونها.

من عيوب ومخاطر الاعلام التقليدي قدرته على تحريف الحقيقة أثناء صناعة الأخبار حين يسلط الضوء على جزء من المشكلة ويغفل عن الجزء الأكبر أو الأهم، الأمر الذي يسهم بتظليل الرأي العام، بيد اننا اليوم أصبحنا امام خطر داهم لم يعبر من قبل مخيلة البشر ويتمثل بهذا الاعلام الاجتماعي في شبكة الانترنت وقدرته الجبارة على الإيهام وصناعة العدم في عالم يوشك أن يقيم عزاء حول ضريح الحقيقة.

نقلا عن "الأنباء"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.